29 محرم 1439 الموافق 19 أكتوبر 2017
أحدث الأخبار
21 مايو، 2015   عدد المشاهدات : 1٬954

لم تكن أفكار “الوسط” يومًا من الأيام نغمة شاذة أو لحنًا شاردا، بل كانت مذ نشأت تعبيرًا أصيلا عن روح الفكر الإسلامي ومقاصد الشريعة الغراء، ملتزمة بمنهج فكري منضبط، مصحوبًا بروح توَّاقة إلى حل مشكلات المجتمع المصري من هذا المنظور الصافي.وعليه فإننا يجب أن نقرر أنه حين يؤمن المرء بالإسلام، فإن ذلك يقتضي الاستجابة للتعاليم والتكليفات التي ألزم بها الإسلامُ أتباعَه، وأن يسعى من يدين به لتحقيق مراد الله – سبحانه وتعالى – من أداء العبادات والحقوق، وتعمير الكون وعمارة الأرض، والالتزام بآداب الإسلام وأخلاقه وقيمه ومقاصده، والدفاع عنه ونشره في العالمين.

■ فما هو التصور الذي يعبر عنه الوسط في فهم هذه الحقيقة؟إن الفرد مكلف بأنواع العبادات المختلفة، كالصلاة والصوم والزكاة والحج ويشمل ذلك النهي عن محرمات كالسرقة والزنا والقتل، وحدَّدت له الشريعة أحكام تعاملاته في البيع والإجارة والوصية.. وغير ذلك.والجماعة أيضًا عليها التزامات دينية فيما عرف بفروض الكفاية، التي تلتزم بها الجماعة في مجموعها، بحيث إنه إذا لم يقم أحد أو مجموع بأدائها، أثمت الجماعة كلها.وشرع الإسلامُ للسلطة السياسية كذلك قواعد حاكمة من العدل وتحريم الظلم وتطبيق أحكام الله وشرعه في المجتمع وامتناع السلطة عن أي شيء من مثل هذه القواعد يصير مفتقرًا إلى الشرعية، ويعرض السلطة إلى فقدان شرعية وجودها، ووجوب تغييرها بسلطة أخرى تقوم بأداء هذه الواجبات وتحقيق مقتضيات هذه القواعد والقيم العليا.إن المدلول الدقيق للفظة الشرعية يعني التزام السلطة السياسية في قيامها وفي استمرارها بفلسفة مجتمعها – أي بأهداف مجتمعها العليا وقيمه الأساسية، ومن هنا فإن الشرعية في الإسلام تعني التزام السلطة السياسية في الدولة الإسلامية بأهداف الإسلام العليا والتي تتمثَّل في إقامة الدين وتدبير مصالح المحكومين(1).

هذه النظرة لا تقود إلى اعتبار الدولة دينية كما قد يدَّعي البعض، الدولة في الإسلام لم تكن إلا مدنية، ولقد ثار لغط كبير، تعلق بالفهم الخاطئ لهذا التصور الإسلامي في العصر الحديث، وذاع صيت هذا الجدال مع شيوع أفكار الجماعات المتشددة، التي اعتمدت على تفسيرات مغلوطة وخاطئة لمفاهيم كالحاكمية والولاء والبراء وإقامة المجتمع المسلم.. وغيرها كسند ومبرر لأعمال عنف قاموا بها، يأْباها الشرع الشريف.

لذا تمثَّلتْ رؤية حزب الوسط في سيادة سلطان المرجعية الحضارية الإسلامية على ما عداها من مرجعيات، فكما يحدث في المجتمعات غير الإسلامية، التي تحكم بمرجعيات مادية علمانية، نرى أنه لا يجوز في هذه المجتمعات أن يدور الحديث وتدبير الشؤون المختلفة بغير الركون إلى هذه المرجعية واستمداد الآراء ووضع الخيارات المختلفة على نهجها، فالمجتمعات الرأسمالية الليبرالية تأبى أن تتخذ من الإجراءات أو تتبنى من الآراء غير ما يتوافق مع رأسماليتها وليبراليتها، والمجتمعات الاشتراكية تأبى كذلك أن تتخذ من الإجراءات أو تتبنى من الآراء ما يتنافى مع اتجاهاتها الاشتراكية.

إن القانون في أي مجتمع يستمد نصوصه من المرجعية التي يتبناها المجتمع، بل إن النصوص إذا تقاصرت عن استيفاء حاجة المجتمع، فقد تعارفت النظم القانونية والقضائية على اعتبار (النظام العام) أحد مصادر التشريع، وما يكون (النظام العام) سوى مرجعية المجتمع ورؤيته الكلية!! وبماذا يمكن أن نسمي هذه العملية سوى سيادة سلطان المرجعية، ليس في الإسلام فحسب بل في جميع النظم التشريعية!!ولعله من المناسب أيضًا أن نقرر أن التطبيق في بعض العصور وفي بعض الحالات قد انحرف عن هذه القواعد الأساسية التي قررها الإسلام، غير أن التطبيق لا يُحكم به على المبادئ ذاتها.إن علاقة الاستخلاف التي تطرحها الفلسفة الإسلامية في هذا السياق تستوجب وجود منهج وشريعة يحدد فيها المستخلِف [وهو الله عز وجل] أسس وضوابط حركة المستخلَف [وهو الإنسان]، وليس للخليفة أن يخرج على أمر من استخلفه، هذا النظام لا يطلق سلطان الأغلبية دون قيد أو ضابط من خارج الجماعة البشرية، ولا ينفرد فيه الحاكم بالسلطة المطلقة بدعوى كونه ظل الله في الأرض(2).

الأمة مصدر السلطات:بعد انتقال النبي – صلى الله عليه وسلم – للرفيق الأعلى، بقي للشريعة الإسلامية مصدر متجدِّد دائم يتولَّى إرشاد الأمة وهدايتها، وهو (الإجماع) الذي يعتبر في المرتبة الثالثة من مصادر التشريع الإسلامي.إن اعتبار إجماع الأمة مصدرًا للتشريع الإسلامي هو نواة المبدإ الحديث، الذي يجعل إرادة الأمة مصدر السلطات، والذي يعبر عنه بمبدإ سيادة الأمة في النظم العصرية، هو نفس المبدإ الذي يقوم عليه النظام النيابي الحديث، لكن الذي يميز النظام الإسلامي أن ممثلي الأمة في القيام بوظيفة التشريع هم المجتهدون، أي العلماء الذين يعترف لهم بالوصول إلى مرتبة الاجتهاد. إن أيَّ صورة للديمقراطية الحديثة لا يمكن أن تكون أبلغ مما قرره الإسلام من أن إرادة الأمة هي التي تعبر عن إرادة الله، وأن التشريع يكون بإجماع صادر عن إرادة الأمة، فلها وحدها دون حكامها، حق التعبير عن الإرادة الإلهية بعد القرآن والسنة النبوية(3).

الفصل والوصل بين الديني والسياسي:في الحالة الإسلامية لا نجد هذا الخلل الذي نجد أنه قد وقع في المجتمعات الغربية، فالإسلام فرَّق بين ما هو دين لا يجوز مخالفته وذكره بتفاصيل واضحة، وبين ما هو (دنيا وسياسة) حَدَّدَ له الأطر العامة والخطوط العريضة دون أن يتدخل في التفاصيل التي تتغير بحسب الزمان والمكان والأحوال والظروف والملابسات والتحديات التي تحيط بشؤون الحياة المختلفة، وتركها لاجتهاد العلماء والخبراء بها.فالسياسة التي عُبِّرَ عنها في المصطلح القرآني بـ(الأمر)، ذكر القرآن أنها (شورى): (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى:38]، (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [آل عمران:159]، دون أن يُبَيِّنَ ما تفاصيل هذه الشورى وكيف تمارَس، فيتغير تطبيقها من زمان لزمان ومن مكان إلى آخر، حتى إن الإسلام استوعب فكرة التمثيل النيابي الذي نشأ في المجتمعات الغربية كأحد مظاهر تجليات فكرة الشورى.

ومن ناحية أخرى نجد النبي – صلى الله عليه وسلم – في تصرُّفه القضائي يحذر الصحابة من أن يأخذوا برأيه في القضاء على أنه وحي إلهي، بل هو حكم مبني على الأمارات والقرائن الظاهرة؛ لأنه يقضي بحسب ما يسمع من الخصوم ولا يعني هذا أنه الحق المطلق الذي لا يقبل التخلف (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صدق وأقضي له بذلك، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها) رواه البخاري ومسلم، وإن كان حكم القاضي يجب الأخذ به ويكون نافذًا على المتخاصمين أمامه، وبيَّن صلى الله عليه وسلم أن هناك فروقًا بين أمر الدين وأمر الدنيا: (إذا كان شيء في أمر دنياكم فأنتم أعلم به وإذا كان شيء من أمر دينكم فإليَّ) رواه ابن ماجه وأحمد، وعن أنس – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – مَرَّ بقوم يلقحون النخل، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح» قال: فخرج شيصًا (أي رديئًا)، فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلتَ كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» رواه مسلم، الشاهد من هذا أن الفرق واضح بنص قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – وفعله بين ما هو دين لا يجوز ردُّه وبين ما هو دنيا ترك فيها الأمر إلى البشر لاجتهاداتهم.

فالمرجعية الإسلامية تفرض في ذاتها هذا التفريق، وتؤكد على الفصل بين ما هو دين ثابت لا يتغير، وما هو (سياسة – دنيا) تقبل التغيير والتبديل بحسب الظروف والمصلحة بما لا يتعارض مع مقاصد الشرع وقيمه ومبادئه العليا(4).إذا تبين ذلك اتضح حجم التهويل والمبالغة من ناحية، والتهوين والاختزال من ناحية أخرى، التي تثار بشأن العلاقة بين الديني والسياسي، وتتضح في الوقت ذاته رؤية الوسط وانحيازاته الفكرية في هذه المسألة.

الهوامش:1 – عادل فتحى عبد الحافظ: شرعية السلطة في الإسلام، ص239.2 – هشام جعفر: الأبعاد المعرفية لمفهوم الحاكمية، ص 125، 126ـ ط المعهد العالمي للفكر الإسلامي.3 – عبد الرزاق السنهوري: فقه الخلافة وتطورها، ص 53-55، ترجمة: د. نادية عبد الرزاق السنهوري، مراجعة وتعليق وتقديم: د. توفيق الشاوي، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب.4 – راجع في انتهاء الولاية بالسقوط (العزل): السنهوري، مرجع سابق، ص199 وما بعدها.

  • طباعة
  • أرسل لصديق
    اضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    يُشرفنا التواصل معكم واشتراككم في خدمة نشرتنا البريدية

    ^