02 شعبان 1438 الموافق 28 أبريل 2017
أحدث الأخبار
21 مايو، 2015   عدد المشاهدات : 2٬614

أخذ محمد عبده – الأستاذ الإمام – عن جمال الدين الأفغاني منهج الإصلاح الديني باعتباره السبيل إلى تجديد حياة الشرق والشرقيين. وقدم بهذا المنهج بناءً فكريًا مكتمل القسمات ولا غرابة في ذلك فقد كان الأستاذ الإمام أنبه تلامذة جمال الدين، وأعظمهم نبوغًا، وأعلاهم همة، وأتاحت له صحبته إياه في باريس، مدة سنتين تقريبًا، ومشاركته في إدارة العروة الوثقى (المجلة والتنظيم السري) أن يأخذ عنه ما لم يأخذه سواه.

و”محمد عبده” مشروع إصلاحي متكامل في الثقافة والتربية واللغة والأدب والفكر الاجتماعي وتفسير القرآن الكريم والإفتاء والاجتهاد الفقهي والعمل الثوري والفكر السياسي. وكان – في ذلك كله وبه – “عقلاً من أكبر عقول الشرق والعروبة والإسلام في عصرنا الحديث”.

وفى مجال الفكر السياسي قدم “محمد عبده” النظرية “الإصلاحية” في مقابل النظرية “الثورية” التي كان يروح لها جمال الدين الأفغاني. فكان “محمد عبده” يرى أنَّ التدرج في “الإصلاح” هو الطريق الأقوم والأضمن في تحقيق الغاية المقصودة من العمل السياسي، وهي نهضة الشرق وتحرره.

كان رأي “محمد عبده” أنَّ التربية المستندة إلى الدين، بعد تجديده، بواسطة المؤسسات التربوية الجديدة آنذاك – مثل كلية دار العلوم والمؤسسات العتيقة – مثل الأزهر والأوقاف والقضاء الشرعي – هي السبيل الوحيد لبلوغ غاية الشرق في التحرر الفكري والتحرر السياسي. وقد ظهر التمايز بين الفكر “الثوري” للأستاذ جمال الدين الأفغاني، والفكر “الإصلاحي” لتلميذه “محمد عبده” منذ غياب الأفغاني عن الساحة المصرية واستقلال محمد عبده بالعمل فيها وانفراده بتبوئ موضع الأستاذية من المفكرين وأصحاب الرأي والزعماء والساسة، وتبلورت آراؤه الإصلاحية في مقالاته بجريدة “الوقائع المصرية”.

ولم يُخالف “محمد عبده” منهجه الإصلاحي التدريجي حتى وهو ينادي بإصلاح الأوضاع السياسية. ففي الوقت الذي كانت الأرض المصرية تموج فيه بالإرهاصات التي سبقت الثورة العرابية، كان المطلب الأساسي هو تحرك الضباط المصريين في الجيش لتحقيق آمال الأمة في الحكم الدستوري النيابي، وفي التخلص من النفوذ الأجنبي المسيطر على البلاد. وفى هذا الوقت نفسه، كان “محمد عبده” يدعو إلى التدرج في الإصلاح بدلاً من القفز إليه بالثورة العسكرية، وإلى تكوين رأي عام يصلح للممارسة الدستورية والحياة النيابية، قبل أن توجد هذه المظاهر في شعب لا يقيم وزنا لها.

وكتب، في 4 إبريل 1881، في “الوقائع المصرية”، سلسلة مقالات بعنوان “خطأ العقلاء” بيَّن فيها أفكاره في الإصلاح السياسي في مواجهة تيار الدعوة إلى الحركة العسكرية، فكان مما دلَّل به على وجوب التدرج ومراعاة ما أسماه “عوائد الأمة المقررة في عقول أفرادها” قوله: “إننا نستحسن حالة الحكومة الجمهورية في أمريكا، واعتدال أحكامها، والحرية التامة في الانتخابات العمومية في رؤساء جمهورياتها وأعضاء مجالس نوابها وما شاكل ذلك.. وتتشوق النفوس الحرة أن تكون على مثل تلك الحالة الجليلة، ولكننا لا نستحسن أن تكون تلك الحالة بعينها لأفغانستان، مثلًا حال كونها على ما تعهد من الخشونة.. فإذا أردنا إبلاغ الأفغان، مثلاً، إلى درجة أمريكا، فلابد من قرون تبث فيها العلوم، وتهذب العقول، وتذلل الشهوات الخصوصية، وتوسع الأفكار الكلية حتى ينشأ في البلاد ما يسمى بالرأي العمومي، فعندئذ يحسن لها ما يحسن لأمريكا…”.

هل نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة؟! وهل كان “محمد عبده” يقول غير هذه المقالة نفسها لو عاش، مثلنا، في عصر ما بعد الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال الروسي؟ وهل هناك أصدق من واقع الحالة الأفغانية دليلًا على صحة منهج محمد عبده “الإصلاحي” “التربوي” “التدريجي”؟!

وكان موقف الإمام “محمد عبده” من الثورة العرابية منذ البدء هو موقف المعارض، فقبل مظاهرة عابدين (9 سبتمبر 1881) بعشرة أيام فقط التقى محمد عبده بأحمد عرابي، وعدد من قادة الثورة العرابية، في منزل أحد أعيان البلاد (طلبة باشا). فكان رأي محمد عبده الذي أعلنه للثوار “أن أول ما يجب البدء به هو التربية والتعليم لتكوين رجال يقومون بأعمال الحكومة النيابية على بصيرة مؤيدة بالعزيمة، وحمل الحكومة على العدل والإصلاح.. وطَلَبُ ذلك – المشاركة الشعبية في إدارة أمور الحكم – بالقوة العسكرية غير مشروع، فلو تم للجند ما يسعى إليه، ونالت البلاد مجلس شورى، لكان على أساس غير شرعي، فلا يلبث أن ينهدم ويزول”.

ولكن نجاح الثورة العرابية في تحقيق مسعاها، بالحصول على الدستور وإنشاء المجلس النيابي، جعل “محمد عبده” يعدل عن رأيه، قال: “لم تكن الثورة من رأيي، وكنت قانعا بالحصول على الدستور في ظرف خمس سنوات، فلم أوافق على عزل رياض (مصطفى رياض باشا رئيس النظار) في سبتمبر 1881م. ولكن لما منح الدستور انضممنا جميعاً إلى الثورة لكي نحمي الدستور”. وأدي هذا التطور العملي بنجاح الثورة إلى تطور فكري مهم في آراء محمد عبده. فقد كتب في برنامج “الحزب الوطني المصري” إن المصريين “وقد عرفوا الآن معني الحرية في هذه السنين الأخيرة، فعقدوا خناصرهم على توسيع نطاق التهذيب، وهم يرجون أن يكون ذلك بواسطة – مجلس شورى النواب – الذي انعقد الآن، وبواسطة حرية المطبوعات بطريقة ملائمة، وبتعميم التعليم ونمو المعارف بين أبناء الأمة، وهذا كله لا يحصل إلا بثبات هذا الحزب وحزم رجاله”.

ولم يكن بين نجاح الثورة العرابية وانضمام “محمد عبده” إليها، وبين إخفاقها والقبض على رؤوسها – ومنهم محمد عبده نفسه – سوى عشرة أشهر (أكتوبر 1881م – يوليو 1882م)، عاد محمد عبده بعدها إلى طريق “الإصلاح” الذي لا يتجنب الثورة فقط، بل يهاجم دعاة سلوك سبيلها في كثير من الأحيان.

ولكن هذه العودة إلى العمل “الإصلاحي التربوي” لم تمنعه من المشاركة – في أثناء المدة التي أمضاها في المنفى – في تنظيم سياسي سري، هو جمعية العروة الوثقى، التي كونها الأفغاني من باريس وكان رئيسها، وكان “محمد عبده” نائب الرئيس.

وقد انبعثت فروع هذه الجمعية في أغلب الأقطار الإسلامية، وجعلت تعلم على ترويج الأفكار الإصلاحية التي كانت تعبر عنها مجلة “العروة الو ثقى” التي لم تكن إلا أثرًا من آثار الجمعية السرية نفسها. وقد كان اهتمام الجمعية الأكبر هو بفكرة “الجامعة الإسلامية”، التي كان الأفغاني شديد الحماس لها، ويتجلى ذلك في القَسَمِ الذي كان يقسمه عضو الجمعية عند انضمامه إليها، وكان هذا القسم يتضمن التعهد “بأن يبذل ما في وسعه لإحياء الأخوة الإسلامية، وألا يقدم إلا ما قدم الدين، ولا يؤخر إلا ما أخره الدين، وأن يوسع معرفته بالعالم الإسلامي من كل نواحيه بقدر ما يستطيع “ولا يرى الدكتور محمد عمارة في العمل السياسي الذي مارسه محمد عبده في هذه المدة – حوالي العام – مؤشرًا على تغير موقفه الفكري، وإنما يعزو قيامه بذلك إلى ظروف النفي وصلته بجمال الدين الأفغاني الذي كان القائد الحقيقي والمحرك الرئيسي لهذا العمل الثوري، ولم يكن عمل “محمد عبده” تحت راية فكرة “الجامعة الإسلامية” يعني – بأي صورة – أنه كان يرى أن تقوم في مصر، أو في أي بلد من بلدان الإسلام حكومة دينية.

  • طباعة
  • أرسل لصديق
    اضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    يُشرفنا التواصل معكم واشتراككم في خدمة نشرتنا البريدية

    ^