الصفحة الرئيسية / دراسات وسطية

تم استعراض هذا المقال 227 مرة

 

"التراث.. المفهوم والتجليات"..ورقة لمحمد عمارة



حزب الوسط الجديد- السبت 30 يناير 2010
التراث: هو الإرث والموروث وما تخلفه الأجيال السابقة لمن يليهم ويلحق بهم.. والمراد بالتراث- في مقامنا هذا – هو الموروث الديني والفكري والعملي والثقافي والحضاري، الذي يمثل مخزون ذاكرة الأمة الإسلامية عبر تاريخها الحضاري، ومصدر هويتها المميزة لها عن غيرها من الأمم والحضارات، سواء منه ذلك الذي أبدعته أمتنا في ظلال الإسلام، أم ذلك الذي ورثه المسلمون عن الحضارات السابقة، والذي استوعبه المسلمون وأحيوه وطوعوه واستلهموه وطوروه، فغدا جزءاً أصيلاً من تراث المسلمين

وفي القرآن الكريم: "وتأكلون التراث أكلاً لما – وتحبون المال حباً جما" (الفجر: 19-20). "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون- والذين يمسكون بالكتب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين " (الأعراف : 169- 170)
"والذي أوحينا إليك من الكتب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير" (فاطر: 31-32). "ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بين إسرائيل هدى الكتاب وذكرى لأولي الألباب" (غافر: 53- 54) "وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتب من بعدهم لفي شك منه مريب" (الشورى: 14).


وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله لأهل عرفة: "اثبتوا على مشاعركم هذه، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم" رواه النسائي وقوله صلى الله عليه وسلم "العلماء ورثة الأنبياء" رواه الترمذي وابن ماجة والدرامي.
ولقد قال الشاعر: فينظر في صحف كالربا * "فيهن إرث كتاب محي

التراث درجات

وهذا التراث الإسلامي – الديني الفكري والعلمي الثقافي والحضاري- ليس على درجة واحدة من المكانة والفعل والتأثير وليس على درجة واحدة في علاقته بالتجديد والإبداع، ذلك لأنه تراث أمة بمذاهبها المختلفة وشعوبها المتعددة.
فهناك التراث المقدس، الذي يمثل المرجعية الأولى للأمة، وهو القرآن الكريم، البلاغ الإلهي- والسنة النبوية الصحيحة– أي البيان النبوي لهذا البلاغ الإلهي- وحتى هذا التراث المقدس، لا يحتل- في المرجعية – مكاناً واحداً، ففي القرآن الكريم- الذي هو قطعي الثبوت – ما هو "محكم ونص" في موضوعه، لا اختلاف في فهمه وفقهه وتفسيره ودلالته، ومنه ما هو متشابه" يمثل مجالا فسيحاً لحركة العقول والأفهام وتمايزها وتعدديتها، في إطار ما هو محكم من الآيات وفي إطار حقائق اللغة وثوابت الاعتقاد..


وكذلك السنة النبوية فمنها ما هو متواتر أي قطعي الثبوت، ومنها ما هو من أحاديث الآحاد- أي ظني الثبوت- ومنها ما هو قطعي الدلالة ومنها ما يفيد "العلم" لكنه لا يفيد "اليقين".
ومن السنة النبوية ما هو بيان للرسالة الإلهية، وتفصيل لمجمل القرآن، وبيان لإشارته ومنها سنن تدور أحكامها مع العلل المتغيرة والمصالح المتبادلة إعمالاً وتجاوزاً- أي "تنفيذاً" و "وقفاً للتنفيذ" مثل السنن التي تعلقت بفروع السياسة، ونظم الحرب، والمعاملات، وبالعادات والتقاليد والأعراف، والمصالح التي تدخل في باب المتغيرات تبعاً لتغير الواقع المتطور والمعيش.


وهناك التراث الفكري، الذي أبدعته الأمة- في مختلف ميادين المعرفة – عندما نزّلت القرآن والسنة على الواقع المعيش، وعقدت القران بين فقه الأحكام وفقه الحياة الاجتماعية، التي عاشها الإنسان عبر تاريخ الإسلام، وعبر مجتمعاته.
وليس لهذا التراث الفكري – الذي هو اجتهاد المجتهدين- عصمة تضفي عليه القداسة التي يتمتع بها القرآن والسنة الصحيحة، فهو ثمرة لملكات العقل الإنساني، وهي – ككل ملكات الإنسان – نسيبة الإدراك، وأعلى مستويات الاجتهاد الإسلامي والعلم الإنساني هو استنباط "الأحكام الضمنية" أي أن المعرفة الإنسانية- حتى في أرقى مستوياتها- وهي نسيبة وظنية وجزئية وكسبية، وسبقها جهل، بينما اليقيني والكلي والشامل والمطلق والمحيط هو علم الله – سبحانه وتعالى- فعلم الله- كما يقول أبو الوليد بن رشد (520 – 595هـ، 1126 – 1198م): هو سبب الوجود، بينما علم الإنسان، ومعرفته هما ثمرة جزئية "للوجود والموجود لذلك كان التراث الفكري الإسلامي هادياً ومرشداً وملهماً وكنزا معرفياً، لكن دون أن يكون قيداً على العقل المسلم، يقف به عند مذهب من المذاهب، أو جيل من الأجيال، أو قرن من القرون، ولذلك فإن التراث الفكري الذي هو إبداع بشري، ليس قيداًً على التجديد والإبداع.


ففي إطار الكليات الدينية المقدسة، التي مثلت الأطر المرجعية، تظل الأبواب مفتوحة على مصاريعها لتطور الاجتهاد والتجديد الذي يواكب حركة الواقع، المتغير دائماً والمتطور أبداً ولأن تراثنا هو تراث أمة، تميزت بالعالمية، تبعاً لشريعتها العالمية والخاتمة وليس تراث قبيلة أو قومية أو جنس أو لون أو إقليم، ولأن هذا التراث قد أبدعته شعوب مختلفة، وقوميات متعددة، في عصور وأجيال متمايزة، وفي ظل ملابسات وتحديات متنوعة، فلقد جاء هذا التراث متنوعاً، بل-وأحياناً- متناقضاً.


وتلك حقيقة جوهرية ومحورية لابد من الانتباه إليها ونحن نتحدث عن دور هذا التراث في تعامل أمتنا مع معارف العصر الذي نعيش فيه الآن، وعن علاقة هذا التراث بالتجديد.


لقد عرف تراثنا تياراً فكريا نصوصياً تبلور في حياتنا الفكرية كرد فعل مناقض للعقلانية اليونانية، التي وقفت عند البرهان العقلي وحده، ولم يكن لديها نص ديني تحتكم إليه، والأمر الذي لا شك فيه أن التراث النصوصي- إذا أخذ بحرفيته – لا يقف موقفاً ودياً من مجتمع المعرفة المعاصر؛ لأنه يضيق بالانفتاح على الآخر، ويتحفظ على أدوات النظر العقلي وعلى التأويل ويشد أهله إلى الماضي، ويهاجر بهم إلى تجارب السلف، ويخاصم التطور والتجديد إلى حد كبير.
كذلك عرف تراثنا تياراً فكريا باطنيا غنوصياً عرفانياً، وقف بأصحابه عند خطرات القلوب، وإلهامات الضمائر ومجاهدات الأرواح، فغض الطرف عن دور النقل، وعن تعقل العقول، وسلك إلى ذلك ألواناً من التأويل المنفلت من قواعد اللغة وثوابت الاعتقاد، حتى لقد فرغ اللغة من "الحقيقة" وسلكها كلها في سلك "المجاز"، ومن ثم فرغ الشعائر والعبادات من "حقائقها"، ومن وظيفتها لدى جمهور المخاطبين.


وتراث هذا التيار- الباطني الغنوصي العرفاني- وخصوصاً شرائح الغلو فيه، لا يقف موقفاً ودياً من مجتمع المعرفة الذي نعيش الآن فيه؛ لأن معارف العصر تعلي من مقام العقل، ومن مكانة التجربة والحواس، كما أنه قد مثل في الحقيقة- "قطيعة" مع جوهر التراث وثوابت الموروث.


كذلك عرف تراثنا تياراً جبرياً، أنكر حرية الإنسان واختياره وقدرته واستطاعته، فخلف مقولات شديدة الضرر على سعي إنساننا المعاصر للتحرر والتقدم والإبداع والنهوض.
أيضا عرف تراثنا شريحة محدودة العدد والتأثير، وقفت عند تقليد العقلانية اليونانية، فلم تفسح في فكرها – مكانا ملحوظاً للنص الديني ولم تهتم – كثيراً بعلوم القلوب والسلوك ولم تقم بالتوفيق بين الفلسفة والدين، بين الحكمة والشريعة
ومن المهم التأكيد على وجوب التمييز في تراثنا بين فكر العصور التي هدد الغزو الخارجي فيها وجود الأمة، فضمرت فيها مساحة الانفتاح على الآخر، وبين فكر عصور القوة والمنعة والأمن، التي فتحت فيها الأمة أبواب التفاعل مع الآخرين.


ولقد عرف تراثنا- كذلك – تياراً فكرياً اشتغل أهله بالعلوم التجريبية والملاحظة والاستقراء، منطلقا من دعوة القرآن للنظر في عوالم الخلق والملكوت، واستفاد هذا التيار من التراث الإغريقي الذي ترجموه ثم فحصوه وكتبوا عليه "الشكوك" وعلامات الاستفهام والمراجعات والتصحيحات- انطلاقا من المنهج التجريبي الذي أبدعته الحضارة الإسلامية، والذي جعل علماء هذا التيار يطورون ويضيفون إلى الميراث الإغريقي في العلوم الطبيعية والدقيقة والمحايدة.


ولقد تميز تراثنا هذا في العلوم الطبيعية والتجريبية عن نظيره الإغريقي بأن أهله ومبدعه قد جمعوا إلى الحواس والتجربة، الإيمان القلبي ومنظومة القيم الإسلامية، وملكة العقلانية الإسلامية المؤمنة، أي أنهم قد آمنوا بالنصوص الدينية، دون أن يقفوا عند ظواهرها، وإنما فقهوها بالعقول المؤمنة، وكتب كثير منه على علوم القلوب والسلوك، دون أن يهملوا الفلسفة العقلية، ولا التجارب الحسية، فتكاملت عند هذا التيار في تراثنا الإسلامي أعلى مستويات الجدارة في الانفتاح على جديد المعرفة والتزكية للتجديد والإبداع.
لقد قادتهم اكتشافات أسرار الكون إلى مزيد من الخشية لمبدع هذا الكون، فبرئوا من الفصام الفكري بين "الخبراء الذين لا قلوب لهم، والفقهاء الذين لا عقول لهم"!.
لذلك كان إحياء تراث هذا التيار من تياراتنا الفكرية طاقة فاعلة في تزكية انخراط العقل المسلم المعاصر في معارف العصر ومجتمع المعرفة العصرية، بحسبان ذلك الانخراط هو تطور طبيعي لتراثنا الموروث، وليس انقلاباً عليه.
وعلينا أن نعترف – وننبه- إلى أن هذا اللون من التراث الإسلامي هو أكثر ألوان التراث تعرضاً للإهمال، فليس له إلا معهد يتيم في سوريا وحدها!


تطور الأنساق

كذلك- ونحن نتعامل مع التراث ونبحث عن دوره في حفز عقلنا المعاصر إلى الانخراط في معارف العصر والتجديد علينا أن ننتبه إلى سنة التطور التي حكمت خط سير المذاهب والأنساق الفكرية والفقهية في تراثنا.
فالتيار النصوصي الذي بدأ "رد فعل" على العقلانية اليونانية اللادينية، لم يقف- في مسيرته وصيرورته- عند الجمود على "رد الفعل"، وإنما تطور على يد مواكب المجددين من علمائه، الذين مارسوا "الفعل" ولم يقفوا عند تراث "رد الفعل" ولقد حدث ذلك للسلفية، التي تطورت على يد شيخ الإسلام ابن تيمية (661- 728 هـ - 1263- 1328م) وابن القيم (691- 751 هـ - 1292- 1350 م) وابن عقيل البغدادي (431- 513 هـ 1040 – 1119م)، وابن الجوزي (508- 597 هـ 1114 – 1201م)، فلم تجمد هذه السلفية عند نصوصية الإمام أحمد ابن حنبل (164 – 241 هـ 780 – 855 م) التي كانت "رد فعل " على ترجمة اليونانيات، ولا أدرية الشعوبية الفارسية.


وحدث ذلك أيضاً للأشعرية، التي تطورت على يد حجة الإسلام أبي حامد الغزالي (450- 505 هـ - 1085 – 1111 م) والباقلاني (453 هـ 1013 م) والجويني- إمام الحرمين (419- 478 هـ 1028- 1085 م) فلم تقف عن "رد الفعل" الذي مثله أبو الحسن الأشعري (260 – 324 هـ 874- 936م ) ضد المعتزلة.
حتى لقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – وهو فيلسوف السلفية وأبرز أعلامها: "إن كثيراً من المتأخرين المنتسبين إلى الإمام أحمد- كابن عقيل، وصدقة بن الحسين (477- 573 هـ 1084 – 1177 م ) وابن الجوزي، قد مالوا على بعض كلام المعتزلة، بينما كان الأشعري أقرب إلى مذهب الإمام أحمد من هؤلاء!.


فالتطور في تراثنا الفكري والمذهبي- الكلامي والفقهي- هو قسمة أصلية، وتسليط الأضواء على هذه القسمة يساعد على تفكيك الجمود المذهبي، ويعين على توجيه التراث لتقبل محدثات العصر الذي نعيش فيه، وعلى جعله طاقة حافظة إلى الإبداع والتجديد.


كذلك يجب أن نزكي التوجه الذي يحتضن تراث الأمة – كل تراث الأمة- دون أن يتخندق في مذهب واحد من مذاهب التراث، ذلك أن الولاء لكل التراث مع الاختيار منه، يزكي عقلية الانفتاح على عوالم المعرفة الحديثة والمعاصرة، على عكس عقلية الانغلاق على مذهب واحد من مذاهب التراث؛ فالانغلاق المذهبي حائل دون التجديد والإبداع.
ونحن نرى مصداق ذلك في البلاد التي تحصر عقلها الفقهي في مذهب واحد لا تتعداه، فإيران قد نصت في دستورها على جواز تعديل كل مواد الدستور إلا المادة التي نصت على أن المذهب الجعفري هو مذهب إيران!
وفي المملكة العربية السعودية يتفرد المذهب الحنبلي بالسيادة، حتى ليفرض فقهه على الحجيج الذين ينتمون إلى مختلف المذاهب الفقهية الإسلامية!


وفي المغرب تم تقنين واحدية المذهب المالكي- لمواجهة امتدادات السلفية الحنبلية! وفي تركيا يتفرد المذهب الحنفي بين أهل السنة الأتراك، بينما تحتضن مصر كل هذه المذاهب الفقهية الإسلامية..


ولقد ظل الأزهر يدرسها جميعاً، حتى عندما كانت مصر جزءً من دار الخلافة العثمانية وهي – أي مصر- تنتقي وتختار الأصلح والأنسب من هذه المذاهب، وتصدر موسوعتها الفقهية على المذاهب الثمانية – الموثقة أصولها الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي والظاهري والزيدي والجعفري والإباضي، بينما وقفت الموسوعة الفقهية الكويتية عند المذاهب السنية الأربعة الشهيرة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، فضربت مصر- بذلك – المثل على ما يجب أن ننهجه من الانفتاح على مذاهب الأمة وكل تراثها، دون التخندق في مذهب لا نتعداه.


ولأن الوسطية الجامعية هي المناهج الأصوب والأفعل في التعامل مع التراث ومع الواقع ومع المعارف التي أبدعها الآخرون، كان تسليط الأضواء، وكذلك جهود الإحياء لقسمات تراثنا الجامعة بين: العقل والنقل والتجربة والوجدان
هذا هو السبيل لجعل هذا التراث الممثل للثقافة المتوازنة التي تعين على الانخراط في "المعرفة الضرورية النافعة التي يزخر بها واقعنا المعيشي.
أي أننا كما نتخذ موقفاً انتقائيا إزاء تيارات فكرنا التراثي فإننا يجب- أيضاً – أن نتخذ موقفا انتقائيا من المعرفة المبذولة والمعروضة في واقعنا المعاصر فنحن لا نريد تراث الجمود عن ظواهر النصوص الموروثة، ولا المعرفة المعاصرة التي يقف أصحابها بجمود عند بعض النظريات الوافدة، وكما نرفض تأويلات الباطنية الغنوصية في تراثنا، فإننا نرفض- كذلك – التأويلات العبثية لما بعد الحداثة، تلك التي تفكك الأنساق الفكرية الحاكمة للعقل الإنساني، وتقذف بالإنسان إلى العدمية والفوضوية واللاأدرية


وكما نرفض تراثنا الخرافي في المهدية والمهدوية نرفض- كذلك – "معارف" الأصوليات البروتستانية الغربية، التي تنتظر المسيح ليحكم الأرض ألف سنة سعيدة- كما ينتظر بعض منا المهدي الذي سيملاْ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، فانتظار الخلاص والصلاح على "يد الغائب" هو باب للكسل العقلي، الذي يعلق التغيير على الغائب المنتظر، دون أن ينهض للبحث عن وسائل هذا الإصلاح!


وإذا كان تراثنا قد "تدينت فيه الفلسفة، وتفلسف فيه الدين "، فإن خصيصته هذه هي التي تجعلنا نقبل ونتقبل المعرفة العلمية المحكومة تطبيقاتها بالقيم الأخلاقية " ونقبل ونتقبل العقلانية المؤمنة، التي يبرأ فيها الإيمان من الخرافة، وتبرأ فيها العقلانية من المادية والإلحاد".
هذا هو الفكر التراثي الذي يحفز أمتنا- إذا نحن أحييناه، وسلطنا عليه الأضواء- إلى المعرضة الضرورية والنافعة، التي تمثل "الصواب والحكمة" في واقعنا المعيش

التراث التجديدي

ولقد أبدعت الدعوة الإصلاحية- مدرسة الإحياء والتجديد- في عصرنا الحديث- هذا النموذج "التراثي التجديدي" الذي نحتاج إليه، وصاغ رائد هذه المدرسة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (1266- 1323 هـ 1849- 1905م ) نظرية في المعرفة تمثل المفتاح في هذا الموضوع "موضوع: كيف يعين التراث في الانفتاح على الجديد والتجديد في ميادين المعارف والمعلوم، دون حدوث قطيعة معرفية مع هوية الأمة وثوابتها.."
صنع ذلك عندما أحيا العقلانية المؤمنة، وسلط الأضواء على السببية وعلى السنن الكونية والاجتماعية، وعندما اتخذ موقفا نقدياً من المأثورات والمرويات، وأحيا علم المقاصد، وانتقد الغلو الديني واللاديني، وحارب الجمود النصي والخرافات والشعوذات.


لقد تحدث الإمام محمد عبده عن "الهدايات الأربع" هدايات: العقل والنقل والتجربة والوجدان، فقال: "لقد منح الله الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى سعادته: أولاها: هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وتكون الأطفال منذ ولادتهم.
والثانية: هداية الحواس والمشاعر، وهي متممة للهداية الأولى في الحياة الحيوانية، ويشارك الإنسان فيها الحيوان الأعجم، بل هو فيها أكمل من الإنسان، فإن حواس الحيوان وإلهامه يكملان له بعد ولادته بقليل، بخلاف الإنسان، فإن ذلك يكمل فيه بالتدريج في زمن غير قصير.


والثالثة: هداية العقل، حيث خلق الإنسان ليعيش مجتمعه ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية كما أعطى النحل والنمل "فحباه الله هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام، وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه، وذلك أن البصر يرى الكبير على البعد صغيراً، ويرى العود المستقيم في الماء معوجا، والصفراوي يذوق الحلو مراً، والعقل هو الذي يحكم بفساد هذا الإدراك."
والهداية الرابعة: الدين، فالعقل يغلط في إدراكه كما تغلط الحواس، وقد يهمل الإنسان استخدام حواسه وعقله فيما فيه سعادته الشخصية والنوعية، ويسلك بهذه الهدايات مسالك الضلال، فيجعلها مسخّرة لشهواته ولذاته حتى تورده موارد الهلكة" فاحتاج الناس إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم، إذا هي غلبت على عقولهم، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها، ويكفوا أيديهم عما ورائها، فالإنسان في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة- وقد منحه الله إياها "(الأعمال الكاملة: 43/4 – 45، دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة- طبعة دار الشروق- القاهرة سنة 1993م وطبعة سنة 2 6 م).
فإذا استطعنا أن نحيي من تراثنا- بالتحقيق والنشر والدراسة- مكتبة تقدم للعقل المعاصر هذه القسمات والهدايات الأربع:

العقلانية: التي لا تهمل النقل ولا التجربة ولا الوجدان

الوجدان: الذي يعصمه العقل والنقل والتجربة من الغرق في الباطنية والغنوص والخرافات

والتجريبية العلمية: التي ترطبها وتضبطها هدايات الإيمان والقلوب .

والنصوص: التي تعصمها العقلانية المؤمنة من الجمود عند ظواهرها، والتقليد لحرفيتها..

إذا استطعنا تحقيق ونشر دراسة "مكتبة تراثية" تكون هذه العقلية المتوازنة والتي يرطب فيها "القلب" حسابات "العقول" ويوقظ فيها "العقل" ويضبط خطرات "القلوب" إذا استطعنا ذلك- وهو ممكن ومستطاع- نكون قد فتحنا أوسع الأبواب أمام أمتنا لمعارف العصر، التي تشهد ثورة "كمية وكيفية" غير مسبوقة، والتي تسهم في تقدمنا ونهوضنا من المأزق الحضاري الذي نعيش فيه، وذلك دونما قطيعة معرفية مع أثمن وأجمل ما في تراثنا الفكري العريق والغني والعميق.
ولنتذكر دائما وأبداً أن انفتاح العقل المسلم على المعارف الإنسانية- بصرف النظر عن مصدرها- هو القاعدة " وأن الانغلاق هو الاستثناء الشاذ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم – إذ يقول: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن "رواه الترمذي وابن ماجة، وفي البخاري تعريف للحكمة بأنها "الإصابة في غير النبوة".
ولقد قال الكندي – الفيلسوف – (260 هـ 873 م): خليق بنا أن لا نخجل من الاعتراف بالحقيقة واستيعابها مهما كان مصدرها"، وقال أبو الوليد ابن رشد (520- 595هـ 1126- 1198م): "إنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك، سواء أكان مشاركاً لنا في الملة أو غير مشارك، طالما كان صواباً"
وقال أبو الوفاء ابن عقيل البغدادي (431- 517 هـ 1040 – 1119م): "إن السياسة: هي التدبير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد حتى وإن لم ينزل بها وحي أو ينطق رسول"
وقال جمال الدين الأفغاني (1254- 1314هـ 1838- 1897م): "إن أبا العلم وأمه هو الدليل والحقيقة تلتمس حيث يوجد الدليل "


هكذا كان –ويجب- أن ينفتح العقل المسلم على "الحكمة" "الصواب العقلي" والإبداع المعرفي" ويجب أن نحيي من تراثنا ما يزكي هذا الانفتاح، فالحكمة والصواب- مهما كان مصدرها لابد أن تدعم هوية الأمة وثوابتها، بينما الجمود والتقليد هما اللذان يقيمان قطيعة مع أصالتنا ومع العصر الذي نعيش فيه.
-----------


- المصدر: مدارك / إسلام أونلاين نت



التعليقات حول الموضوع

الإسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
الرمز الأمني:

 

 
الصفحة الأولى | برنامج الحزب | لائحة الحزب | عضوية الحزب | المكتبة المرئية | الاسئلة المتكررة | راسلنا

الحملة المصرية ضد التوريث       

جميع حقوق النشر محفوظة لحزب الوسط الجديد - تحت التأسيس 2009

الموقع من تصميم وتطوير: م. أحمد نبيل