الصفحة الرئيسية / زكي نجيب محمود

تم استعراض هذا المقال 136 مرة

 

ابن رشد في تيار الفكر العربي (3)



حزب الوسط الجديد- الأحد 07 فبراير 2010
حين فرغ ابن رشد من كتبه "فصل المقال" كان بذلك قد فرغ من رحلته الأولي، التي بدأها بالنظر فيما خلفه القدماء من فلسفة ومنطق، لينتهي إلي أن الشريعة تؤيده وتحث عليه، لأنه بمثابة النظر في الموجودات المصنوعة، نظرا يدل علي صانعها؛ فانتقل بعد ذلك إلي رحلته الثانية المضادة في اتجاهها لاتجاه المرحلة الأولي، إذ هي تبدأ هذه المرة في الشريعة نظرا يدل آخر الأمر علي أنه هو ما كان النظر العقلي قد تأدي إليه، وكانت هذه المرحلة الثانية هي موضوع كتابه "مناهج الأدلة في عقائد الملة".

بدأه بإشارة سريعة إلي عمله في المرحلة الأولي، ليبين للقارئ أنه إنما يستأنف بجهده الحالي جهدا سابقا، فقال: "لما كنا قد بينا، قبل هذا، في قول أفردناه (يشير بذلك إلي "فصل المقال") مطابقة الحكمة للشرع وأثر الشريعة بها، قلنا هناك أن الشريعة قسمان: ظاهر ومؤول، وأن الظاهر منها فرض الجمهور، وأن المؤول فرض العلماء" وبهذه الإشارة السريعة لخص ابن رشد نتيجة من أهم النتائج التي قدمها في كتابه الأول، وهي قسمة الناس إلي جمهور وعلماء، أما الجمهور فلا يجوز له مجاوزة الشرع في ظاهر نصوصه، وأما العلماء فهم وحدهم الذين لهم حق تأويل ذلك الظاهر بمعان مجازية مضمرة فيه، ولكن لا يحل لهؤلاء العلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور؛ لماذا؟ لأن التأويل يوصل إليه بالقياس البرهاني، علي حين أن مدي ما يمكن للجمهور بلوغه هو القياس الخطابي ؛ فإذا أنت حدثت الجمهور بما لا يفهمونه، أحدثت لهم اضطرابا وحيرة بغير جدوى.

كان الهدف الرئيسي أمام ابن رشد من "مناهج الأدلة" هو البحث "عن الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها" وذلك لأن طوائف أحري من رجال الفكر في عصره، تأولوا ظاهر الشرع بمعان من عندهم، وقدموها للناس علي أن تلك التأويلات هي عقائد إسلامية؛ ولما كانت تأويلات الطوائف المختلفة متباينة متنافرا بعضهم مع بعض، أخذت كل طائفة تقذف ما عداها بأنها إما مبتدعة، وإما كافرة مستباحة الدم والمال.

ويعين ابن رشد الطوائف التي يريد مناقشتها من أجل تفنيدها لكي يتقدم هو بعد ذلك بما يراه في طريقة النظر إلي العقائد، بحيث يتبني صلتها بالتفكير العقلي؛ فيقول: "وأشهر هذه الطوائف في زماننا هذا أربعة: الطائفة التي تسمي الأشعرية، وهم الذين يري أكثر الناس اليوم أنهم أهل السنة، والتي تسمي بالمعتزلة، والطائفة التي تسمي بالباطنية، والطائفة التي يتسمي بالحشوية" ( ولم يذكر الصوفية بين الطوائف، مع أنه تناولها بالمناقشة أيضا).

ويجمل ابن رشد اتهامه للطوائف الأربعة جميعا، قبل أن يبدأ في القول المفصل، فيقول: "كل هذه الطوائف اعتقدت في الله اعتقادات مختلفة، وصرفت كثيرا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها إلي تأويلات نزلوها علي تلك الاعتقادات وزعموا أنها الشريعة الأولي، التي قصد بالحمل عليها جميع الناس ، وأن من زاغ عنها فهو كافر أو مبتدع؛ وإذا تُؤملت جميعها، وتؤمل مقصد الشرع، ظهر أن جلها أقاويل محدثة وتأويلات مبتدعة". ونقرأ هذا الاتهام الموجه إلي الطوائف المذكورة كلها، ثم ننتقل فورا إلي الطائفة الأولي التي قدمها للمناقشة ـ وهي الحشوية ـ فإذا هي بحكم مبدئها لا تأخذ بالتأويل وتلتزم الظاهر التزاما متطرفا، حطي لتحرم إعمال العقل في شئ منه.

فليس وجه النقص ـ إذن ـ في طائفة حشوية، أنها أولت ظاهرا بمجاز، بل وجه النقص فيها هو أنها انصرفت عن الأدلة العقلية في معرفة وجود الله؛ قائلة إن طريق هذه المعرفة هو "السمع" لا "العقل"، أي أنه يكفي للإيمان بوجود الله أن يكون صاحب الشرع قد ألقي هذه الحقيقة علي مسامع الناس؛ والشأن في معرفة وجود الله هو نفسه الشأن في كل ما يطلب منا الإيمان به، كالمعاد وغيره، مما لا مدخل فيه للعقل؛ هذا هو وجه النقص في الحشوية، لأنها كانت بموقفها ذاك ـ بعبارة ابن رشد فيها ـ "مقصرة عن مقصود الشرع في الطريق التي نصبها للجميع، مفضية إلي معرفة وجود الله تعالي، ودعاهم من قبلها إلي الإقرار به" إذا دعا الناس إلي التصديق بوجود البارئ بأدلة عقلية منصوص عليها في كثير من الآيات، مثل قوله تعالي: "اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم" إلي غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعني.

وأراني مضطرا إلي السؤال في هذا الموضع ـ لأنه موضع نموذجي يمثل ما سوف يتكرر في كتاب "مناهج الأدلة" من أوله إلي آخره ـ كيف يكون التمثيل لفكرة ما، بآيات من القرآن الكريم، دليلا عقليا برهانيا، وهو نوع الأدلة الذي يجده ابن رشد للعلماء؟ إننا إذا اتخذنا من آية ما مقدمة نبني عليها قياسنا، كان القياس قائما علي منقول لا علي معقول، مما يزيل عنه صفة البرهان؛ اللهم إلا إذا كان المعني الذي أراده ابن رشد هو ما قد يرد في الآية من موضوعات كونية تصلح للبحث العقلي؛ ففي الآية السابقةـ مثلا ـ ذكر لموضوع ـ خلق ـ الله للناس في حاضرهم وفي ماضيهم، ليكون ذلك بمثابة الإشارة إلي ما يمكن التحول إلي بحثه بحثا عقليا، وهو في هذا المثل موضوع "الخلق" وكيف يفهم بالبراهين العقلية؛ إما أن يكون ذكر الآية في حد ذاته هو البرهان، فذلك ما أعجز عن رؤيته؛ وأقول ذلك تعليقا علي ما فهمته من المقدمة المستفيضة التي قدم بها المرحوم الدكتور محمود قاسم تحقيقه لكتاب "مناهج الأدلة" والتي شعرت من خلالها في مواضع كثيرة منها، بأنه يري أن ذكر الشواهد القرآنية هو في ذاته برهان عقلي علي ما يراد إقامة البرهان عليه من الشريعة.

وكأنما تخيل ابن رشد في تعليقه علي قصور الرؤية الحشوية، أن أنصار هذه الطائفة قد ردوا علي اعتراضه، بقولهم إنه إذا كانت الأدلة العقلية مطلوبة للوصول إلي معرفة الشريعة، لوجب أن يعرض النبي عليه السلام تلك الأدلة العقلية عندما عرض دعوته إلي الإسلام؛ وهو اعترض أراه وجيها، لم يجب عليه ابن رشد بما يتناسب مع قوته إذ قال معناه إن العرب جميعا تعترف بوجود الله سبحانه، فلم يكن من الضروري لصاحب الدعوة أن يسوق من لا تسعفه قواه العقلية في متابعة تلك الأدلة، فهؤلاء وحدهم هم الذين يكون إيمانهم قائما علي السماع.

ثم ينتقل ابن رشد إلي طوائف الأشعرية وسائر المتكلمين، فيجدهم علي نقيض الحشوية، إذ هم يريدون ألا يكون التصديق بوجود الله إلا بالعقل، وطريقة ذلك عندهم هي أن يضعوا المقدمات التي يظنون بها اليقين، ثم يستخلصون منها النتائج، مثال ذلك أن يضعوا المقدمات الآتية ، ليقيموا عليها حدوث العالم، ثم ليقيموا علي هذا الحدوث وجود الله الذي أحدثه؛ والمقدمات هي:

1ـ الجوهر لا تنفك عن الأعراض.

2ـ الأعراض حادثة

3ـ ما لا ينفك عن الحوادث حادث.

وهنا يتصدي ابن رشد لهذه المقدمات ليبين أنها لا تتصف باليقين، وبالتالي فما يبني عليها لا يعدو أن يكون جدلا وليس هو بالبرهان، فالمقدمة الأولي هنا تتحدث عن "الجواهر" وكأن وجودها واضح بذاته مع أن لو كان وجودها مفروضا علي العقل فرضا، لسلم به الجميع ولقالوا عنه قولا يتفقون عليه، وليست هذه هي الحال؛ وفي المقدمة الثانية نسبة الحدوث للأعراض، كأن الحدوث لا يكون للجواهر أيضا، فإذا شككنا في حدوث الأعراض، جاز لنا كذلك أن نشك في وجود الجواهر؛ وأما المقدمة الثالثة فهي لا تحتمل معني واحدا محددا، إذ يمكن فهمها علي وجهين: أحدهما ما لا يخلو من جنس الحوادث فهو حادث، والثاني هو من حادث مخصوص منها.

والخلاصة التي ينتهي إليها ابن رشد إزاء هذا المثل الواحد من أمثلة التفكير عند الأشعرية وسائر المتكلمين، هي أنهم بهذا التفكير لا هم من أهل البرهان الذين يقيمون أدلتهم علي مقدمات يقينية واضحة، ولا هم قدموا شيئا يتناسب مع الجمهور، لأن سواد الناس لا قبل لهم بهذا الضرب من الجدل العريض، الذي قد يتعذر علي كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل، فضلا عن الجمهور.

ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن ابن رشد ـ قد وضع طائفة المعتزلة بين الطوائف الأربعة ـ لم يتعرض لمناقشتها مناقشة تفصيلية كالتي أجراها مع الأشعرية، قائلا في ذلك: "وأما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شئ نقف منه علي طرقهم التي سلكوها . . ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق الأشعرية" ولقد كان في ذلك علي حق، لأنه ما دام نقده موجها إلي طريقة القياس التي استخدموها، وهي طريقة الجدل التي تعتمد علي مقدمات مشهورة بغض النظر عن يقينها، فإن المعتزلة هي والأشعرية وسائر ضروب المتكلمين سواء، ودحض فرقة منهم هو دحض للفرق جميعا.

وأما الصوفية فبرغم اختلاف طريقتهم عن طريقة المتكلمين، إلا أنها ليست طريقة مركبة من مقدمات واقية، وإنما يعتمد الصوفية في معرفتهم لله علي كل شئ يلقي في النفس إلقاء؛ فمهما قيل في هذه الطريقة، فهي علي أية حال مما لا يندرج تحت مقولة الفكر النظري؛ وأما وقد دعانا القرآن إلي "النظر" فليست طريقة الصوفية ـ إذن ـ هي المقصودة؛ وإذا فرضنا أن إماتة الشهوات التي يمارسها الصوفي في حياته، شرط ضروري لصفاء الذهن استعدادا للنظر، فليست هي التي تفيد المعرفة بذاتها.       



التعليقات حول الموضوع

الإسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
الرمز الأمني:

 

 
الصفحة الأولى | برنامج الحزب | لائحة الحزب | عضوية الحزب | المكتبة المرئية | الاسئلة المتكررة | راسلنا

الحملة المصرية ضد التوريث       

جميع حقوق النشر محفوظة لحزب الوسط الجديد - تحت التأسيس 2009

الموقع من تصميم وتطوير: م. أحمد نبيل