|
حزب الوسط الجديد- السبت 06 مارس 2010
يعكس الخطاب الفكري للدكتور محمد البهي, طبيعة التموجات الثقافية والأيديولوجية التي شهدتها مصر والمشرق العربي، مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبالذات في حقبتي الخمسينات والستينات، التي مثَّلت العصر الذهبي لتقدم وصعود الأفكار والأيديولوجيات العلمانية والماركسية, برعاية من الدولة العربية القطرية، التي احتضنت هذه الأيديولوجيات وفتحت أمامها أوسع الفرص للتمدد والانتشار, والتعبير عن مفاهيمها وتصوراتها، حتى تمكنت من التغلغل والتأثير في جيل المتعلمين والمثقفين آنذاك، وكانت لها سطوتها في الجامعات، وارتفع صوتها عالياً في مختلف وسائل الإعلام، وتمكنت من السيطرة على المؤسسات الثقافية الحكومية. وفي ظل هذه الوضعيات ارتفعت وتيرة الجدل والسجال الفكري والثقافي، وتهيئت مناخات النزاع والصدام بين أصحاب تلك الأيديولوجيات, وبين المنتسبين إلى منظومات الفكر الإسلامي الذين وجدوا أنهم يخوضون نزاعاً أيديولوجياً للدفاع عن الإسلام والعقيدة الإسلامية، وعن الأخلاق والقيم الإسلامية، بينما ظن أولئك أنهم يخوضون نزاعاً أيديولوجياً للدفاع عن مفاهيم التقدم والحداثة والتنوير. وفي هذا النطاق, تحددت طبيعة المهمة الفكرية عند بعض المفكرين الإسلاميين، ومن هؤلاء الدكتور محمد البهي, الذي دخل في مواجهات فكرية مستمرة مع تلك الأيديولوجيات، وهو المنحى الذي طبع معظم مؤلفاته، بما في ذلك مؤلفاته البارزة. ومن يرجع إلى هذه المؤلفات يكتشف بسهولة تجلي هذا المنحى الصدامي، خصوصاً وأن المؤلف نفسه ظل يشير إلى مثل هذا المنحى في كتاباته، ويوسمها بهذا الوصف، ويصنفها على هذا الاتجاه، ويلفت النظر إليه باستمرار، ففي كتابه «الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي» الصادر عام 1947م، يقول عنه في طبعته الرابعة الصادرة عام 1966م: إن «التطورات الأيديولوجية والعنف في إقحام بعض الأيديولوجيات الأجنبية على هذا المجتمع أو ذاك من المجتمعات الإسلامية، يدفع إلى الحرص على هدف الكتاب، ويجعل منه بالتالي نداء جديداً، وفي الوقت نفسه نذيراً للأمة الإسلامية في حاضرها بمعرفة إسلامها... إن مواجهة الفكر الدخيل أيًّا كان نوعه ومصدره هي ضرورة حتمية لبقاء المجتمع الإسلامي مستقلاً بأيديولوجيته، ومحافظاً على وحدته وقوته»([1]).
الإسلام وآليات المواجهة ويطفح هذا المنحى ويتجلى بصورة شاخصة في كتابه: «الإسلام في الواقع الأيديولوجي المعاصر» الصادر عام 1968م، حيث يقول في مقدمته: إن الإسلام «يتعرض لهجوم الأيديولوجيات القادمة أو المستقدمة، والتي هي في هجومها تغلظ شدة وعنفاً تبعاً لاستكانة المسلمين. وقد ألفوها في عهود الاحتلال والاستعمار، ثم أُكرهوا على الاستمرار عليها بعد الاستقلال في ظل الحكم الوطني... وهذا الكتاب يقدم موقف الإسلام في مواجهته لتحديات هذه الأيديولوجيات»([2]). إلى كتابه: «الفكر الإسلامي في تطوره» الصادر عام 1971م، حيث حاول أن يبرز ـ كما يقول ـ في بعض فصوله مواجهة التفكير لدى المسلمين للفكر الدخيل على أمتهم ودينهم، ويوضح في بعض فصوله الأخرى مواجهة هذا التفكير للضعف الداخلي الناشئ عن الخصومة المذهبية الطائفية... وإذا اعتبر الفكر الإسلامي في لقائه أو مواجهته للفكر الإغريقي وللفكر الفارسي والهندي على عهد العباسيين فلسفة إسلامية، فإنه اليوم في مواجهته للفكر الأوروبي العلماني، أو للفكر الآخر الماركسي اللينيني، يعتبر أيضاً فلسفة إسلامية، وفلسفة إسلامية معاصرة([3]). وحين يريد البهي أن يربط بين ثلاثة هي من أبرز وأهم مؤلفاته، هي: «الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي»، و«الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي»، و«الفكر الإسلامي والمجتمع المعاصر»، فإنه يحدد هذا الرابط على أساس فكرة المواجهة. إذ يعتبر أن مساهمة كتاب «الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي» «في توضيح مواجهة المسلمين للفكر الإغريقي والشرقي في القرن التاسع الميلادي، لا تقل في أثرها عن مواجهة الفكر العلماني الصليبي في القرن التاسع عشر في زميله كتاب الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، ولا تقل كذلك عن مواجهة الفكر الماركسي اللينيني الإلحادي في القرن العشرين في أخ لهم وهو كتاب الفكر الإسلامي والمجتمع المعاصر»([4]).
إقرأ في هذا الملف التجديد في الفكر الإسلامي وأثر الفكر الأوروبي الإصلاح الديني ملاحظات ونقد التجديد في الفكر الإسلامي وأثر الفكر الأوروبي أشهر مؤلفات البهي على الإطلاق، هو كتاب: «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» الصادر عام 1957م، حيث اعتبره في مقدمة الطبعة الثامنة الصادرة عام 1975م, بأنه حسب قوله كتاب «مواجهة مباشرة لتيارات فكرية مستترة، وراء عناوين خادعة، وهي في جوهرها محاولات عنيفة لفصل المسلمين عن دينهم، ووضعهم في مجالات التبعية لغيرهم... ويواجه تيار الماركسية الإلحادية، المتخفي وراء اسم العدالة الاجتماعية، وبهذا دخل الكتاب في صراع لا يهدأ مع الدافعين لهذا التيار أو ذاك، خارج المجتمعات الإسلامية أو داخلها»([5]). لهذا يعتبر الدكتور البهي, أحد المنافحين والمدافعين عن الفكر الإسلامي والنهج الإسلامي أمام التشكيكات والشبهات والإشكاليات التي ما فتئت تلك الأيديولوجيات المغايرة تثيرها، وتنفث بها في زمن سطوتها وشوكتها. كما يعتبر البهي أحد الذين حاولوا أن يبرهنوا على بقاء وثبات وصلاحية القيم الإسلامية في كل زمان ومكان، وعلى قدرة الإسلام في حل ومواجهة مشكلات ومعضلات المجتمعات الإسلامية المعاصرة. فالمهمة الأولى لكتابه: «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» كما يقول: «أن يكشف عن قيم الإسلام، وعن صلاحية هذه القيم وحدها لتلافي مشاكل المادية في المجتمعات المعاصرة»([6]).
ومع هذا المسلك المعاصر في كتابات ومؤلفات البهي, إلا أن خطابه الفكري لم يحضَ بمتابعة واهتمام واسع ولافت في الأوساط الثقافية والدينية، مع أنه ارتقى لمناصب ثقافية عليا في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، فبعد أن كان متولياً الإدارة الثقافية بالأزهر في الخمسينات، عُيِّن مديراً لجامعة الأزهر عام 1961م، ثم أصبح وزيراً ما بين عام 1962 - 1964م. وبقي هذا الوضع من عدم الاهتمام بالخطاب الفكري للدكتور البهي على حاله ولم يتغير، وقد تراجع أكثر بعد ما تغيرت وتبدلت السياقات والأرضيات الفكرية والثقافية في حقبتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، حيث استعاد الفكر الإسلامي يقظته وتقدمه، وتراجعت في المقابل وانحسرت تلك الأديولوجيات المغايرة بعد نكسة 1967، النكسة التي صوَّرتها الأدبيات العربية المعاصرة بالهزيمة الفكرية.
تصنيفات فكرية أما اليوم فنادراً ما يأتي الحديث عنه، وعن خطابه الفكري حتى في المؤلفات والكتابات التي تتناول الحديث عن الفكر الإسلامي والقضايا الإسلامية المعاصرة, والكتابات التي أشارت إليه تحدثت عنه بشكل عابر لا يوحي بأهمية خطابه الفكري، وأهمية مكانته الفكرية، ومنزلته بين المفكرين الإسلاميين المعاصرين. وفي نطاق التصنيف الفكري, هناك من صنَّف الدكتور البهي على مدرسة الشيخ محمد عبده، وهي المدرسة التي طالما امتدحها البهي، وأثنى عليها، ودافع عنها، ورفع منزلتها، مما يوحي بإمكانية تصنيفه على هذه المدرسة، ولا أظن أن البهي يعترض على مثل هذا التصنيف، بل لعله كان يتمناه ويسعى إليه. ويذهب إلى مثل هذا الرأي الشيخ محمد الغزالي في كتابه: «دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين», حين تحدث عن مدرسة الشيخ محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا، واصفاً لها بأنها أقرب إلى مدرسة أهل الرأي التي تقابل مدرسة أهل الحديث في التاريخ الفكري الإسلامي، ويتبع هذه المدرسة من بعد الشيخ محمد عبده في نظره, الشيخ محمود شلتوت، ومحمد عبدالله دراز، ومحمد المدني، وقبلهم الشيخ محمد الخضري، والشيخ محمد أبو زهرة، ومنهم أيضاً محمد البهي. وهي المدرسة التي حاولت ـ كما يضيف الشيخ الغزالي ـ أن تقود الأزهر، وتفرض وجهتها على المسلمين، ولكن التيارات العاصفة كانت أقوى منها فوقفتها أو جرفتها([7]).
أما الدكتور أحمد عبد الرازق, فحين يتحدث عن طبيعة المسلك الفلسفي للمفكرين المصريين المعاصرين فإنه يصنف محمد البهي على المسلك الذي يعتمد حسب رأيه وجهة نظر اعتزالية مع نزوع سلفي متوازن، ويضيف له محمود أحمد صبحي، ومحمد عبد الهادي أبو ريده([8]). والتصنيف الأقرب هو ما ذهب إليه الشيخ الغزالي.
والأثر الذي مازال يُذكِّر اليوم بالدكتور البهي هو كتابه: «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي», وهو الكتاب الذي عرف به في حياته وعصره، ولمس ذلك بنفسه، وأشار إلى مثل هذا الأمر في مقدمة الطبعة الثالثة من الكتاب، الصادرة عام 1961م بقوله: «فقد كنت أُعرَّف وأُعْرَف به في رحلاتي المختلفة في المشرق والمغرب... فما ذكرت في مرة من المرات أثناء هذه الرحلات، وما عرفت عند إلقاء محاضرة أو حديث إلا بأني مؤلف الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي»([9]). ولشهرة هذا الكتاب فقد تُرجم إلى اللغات الإنجليزية والتركية والإندونيسية والأردية, ويعد من أكثر مؤلفات البهي التي يرجع إليه الدارسون والباحثون في ميادين الفكر الإسلامي. ولكون الكتاب يتحدد في إطاره الفكري بالقضايا والتطورات الثقافية والأيديولوجية التي حصلت في مصر تحديداً، وتركت تداعياتها على المشرق العربي لصلته الوثيقة بمصر، لهذا كان في تخطيط المؤلف العمل على تكملة هذا الكتاب بجزء ثانٍ يكون مجاله الفكر الإسلامي في بلاد المغرب العربي, والجزء الغربي من إفريقيا. ويبدو أن هذا الجزء لم ينجز، ولم يَعُد المؤلف يتحدث عنه في مقدمات الطبعات الأخرى لكتابه منذ عام 1961م، حين أشار إلى هذه الملاحظة في تصديره للطبعة الثالثة من الكتاب، وإلى عام 1975م مع صدور الطبعة الثامنة من الكتاب نفسه.
أدب النقد الثقافي وعند النظر في هذا الكتاب, يمكن تصنيفه على نسق المؤلفات والدراسات التي حاولت توثيق وكتابه التاريخ الفكري والثقافي لمصر والعالم العربي في العصر الحديث بعد اتصاله واحتكاكه بأوروبا والاستعمار الأوروبي. وإن كان يختلف عن بعض هذه المؤلفات والدراسات من حيث طبيعته الأيديولوجية، ومن كونه ينطلق من فكرة المواجهة الفكرية، وينتصر للاتجاه الفكري والإصلاحي الذي قاوم الاستعمار الغربي. ومن هذه الناحية، ونتيجة لهذه الطبيعة فإن هذا الكتاب يصنف كذلك على نسق المؤلفات والدراسات التي توجهت بالنقد الثقافي والأخلاقي للغرب الاستعماري، والغرب الاستشراقي، والغرب المادي والإلحادي، وللتيارات والاتجاهات المتأثرة والتابعة لمرجعيات الفكر الأوروبي التي ظهرت في مجتمعات العالم العربي والإسلامي.
ومن جهة ثالثة, يصنف هذا الكتاب على نسق المؤلفات والدراسات التي حاولت البحث عن البديل والخيار الثالث، وعن الكتلة التاريخية الثالثة البديلة عن مسلكيات ومرجعيات الغرب الرأسمالي والشرق الماركسي، والدعوة إلى الخيار الإسلامي بوصفه بديلاً شافياً ومتكاملاً عن البدائل الوضعية الأخرى، وبوصفه منهجاً للحياة الإنسانية في مجتمعات المسلمين المعاصرة، وصالحاً لكل الأزمنة والعصور. وبسبب النزاع والسجال الأيديولوجي الذي خاضه الدكتور البهي مع تلك الأيديولوجيات المغايرة، فقد تعرض هذا الكتاب إلى المصادرة والمنع لفترة طويلة، قدَّرها المؤلف بعشر سنوات، حيث عاد إلى الصدور مرة أخرى في عام 1975م، بعد أن تراجعت سطوة تلك الأيديولوجيات وشوكتها في حقبة السبعينات من القرن الماضي.
خصَّص الدكتور البهي أكبر فصل في كتابه «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» للحديث عن التجديد في الفكر الإسلامي، وحين يشرح رؤيته حول هذا الموضوع, يرى أنه منذ القرن التاسع عشر نشأ في التفكير الإسلامي اتجاهان:
الأول: اتجاه يتناغم مع الاستعمار الغربي في تقريب الإسلام من المسيحية، أو في تبديله إلى توجه ديني يرضى عنه المستعمر.
الثاني: اتجاه يقاوم الاستعمار الغربي، ويرفض نهجه في تبديل التوجه الديني، ويدعو إلى احتفاظ المسلمين بإسلامهم كما يصوره القرآن والسنة، وإلى إعادة تماسك الجماعة الإسلامية، والسعي إلى استقلالها، وعدم انصهار المسلمين في غيرهم.
وبانتهاء القرن التاسع عشر تبلور هذان الاتجاهان، وعرفت أسسهما في العالم الإسلامي، وأصبح لكل منهما أتباع وأنصار. ومع القرن العشرين استمرت هذه الثنائية في اتجاه التفكير الإسلامي، وعرف الاتجاه الأول ـ كما يقول البهي ـ باسم التجديد، بينما عرف الاتجاه الثاني باسم الاتجاه الإصلاحي أو اتجاه تجديد المفاهيم الدينية.
التجديد والاستعمار ويعتقد الدكتور البهي أن حركة التجديد في الفكر الإسلامي, التي ظهرت في الشرق الإسلامي منذ القرن العشرين تعتبر تقليداً للدراسات الإسلامية في تفكير المستشرقين الغربيين, ومن بعد الحرب العالمية الثانية تأثرت حركة التجديد في الفكر الإسلامي بالتفكير الوضعي والماركسي. كما يعتقد البهي أن الاستعمار الغربي له صلة وثيقة بالفكر الإسلامي منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سواء في خلق أو معاونة ما يسند من اتجاه، أو في إثارة ما يقاومه من اتجاه آخر, وأن الفكر الإسلامي في الفترة التي بلغت قرناً كاملاً منذ النصف الثاني من القرن التاسع شعر إلى النصف الثاني من القرن العشرين، هو مرآة لهذين الاتجاهين. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت حركة السيد أحمد خان، وحركة ميرزا غلام أحمد كحركتين ممالئتين للاستعمار الغربي، يقابلهما حركة السيد جمال الدين الأفغاني، وحركة الشيخ محمد عبده كحركتين مقاومتين للاستعمار نفسه. أما حديث البهي عن التجديد في الفكر الإسلامي فهو يرتبط عنده بفترة القرن العشرين، وهكذا الاتجاه المقابل له والذي يصطلح عليه بتجديد المفاهيم الدينية. وعن هذين الاتجاهين وطبيعتهما يشير البهي إلى رؤية هاملتون جيب، وهو يتحدث عن هذين الاتجاهين بقوله: «إن النتائج التي أعقبت نشاط الشيخ محمد عبده اتجهت بعده إلى اتجاهين متقابلين. فمن جانب نشأ محيط مدني في التفكير يقوم على الاحتفاظ بالعقيدة الإسلامية، ولكنه متأثر بقوة بالأفكار الغربية، ويميل إلى العلمانية التي تهدف إلى فصل الدين عن الدولة، والاستعاضة بالنظام الغربي عن الشريعة الإسلامية.
ومن جانب آخر تكوَّن حزب ديني يسمي نفسه بالسلفية، وهو يتفق مع الاتجاه العلماني في رفض سلطة تعاليم القرون الوسطى، ولكن مع قبول القرآن والسنة كأساس للفصل في الحقائق الدينية»([10]).
التجديد في رقعة الشرق ومنذ البداية يقرر البهي أن التجديد في رقعة الشرق الأدنى مع بداية القرن العشرين, هو محاولة أخذ الطابع الغربي والأسلوب الغربي في تفكير الغربيين، سواء في تعبيرهم عن الدين، أو في تحديدهم لمفاهيمه ومفاهيم الحياة التي يعيشونها، أو في تقديرهم للثقافات الشرقية الدينية والإنسانية. ويستدل البهي على ذلك بكتاب طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» الصادر عام 1938م، ويبالغ في تأثيره، ويعتبره الكتاب الذي رسم خطة التجديد للفكر الإسلامي المُغرَّب في مصر. وهذا الاتِّباع والتقليد للفكر الغربي في نظر البهي سار في اتجاهين: اتجاه التأثر بالفكر الغربي الاستشراقي في مجال الدراسات الإسلامية منذ بداية القرن العشرين. واتجاه التأثر بالفكر الوضعي العلمي، والمادي الماركسي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي نطاق التأثر بالفكر الغربي الاستشراقي يشير البهي إلى قضيتين خطيرتين في نظره هما:
أولاً: قضية بشرية القرآن؛ والتي تعرض حسب رأي البهي في إحدى صورتين، صورة أن القرآن هو انطباع في نفس النبي محمد نشأ عن تأثره ببيئته التي عاش فيها، بمكانها وزمانها ومظاهر حياتها المادية والروحية والاجتماعية. وصورة أن القرآن هو تعبير عن الحياة التي عاش فيها النبي، وهناك تلازم في نظر البهي بين هاتين الصورتين. ومن بين المستشرقين الذين أشاروا لمثل هذه الفكرة في تقدير البهي, هو المستشرق الإنجليزي هاملتون جيب، والذي يعده البهي مثالاً للاتزان من بين المستشرقين الغربيين، ويرى أنه آثر الصورة الأولى في كتابه «المذهب المحمدي» لكن بأسلوب يبدو ـ كما يقول البهي ـ أنه تجنب الألفاظ النابية فيما يحكيه عن الرسول، وتجنب الصراحة المكشوفة فيما يريد أن يودعه في نفس القارئ. وقد ظهر هذا التأثر حسب اعتقاد البهي, فيما ذهب إليه طه حسين في كتابه: «في الشعر الجاهلي» الصادر عام 1926م, وهو الكتاب الذي أحدث ضجة فكرية ودينية واسعة في وقته، باتت معروفة للمهتمين بالشأن الثقافي.
والنتيجة التي يخلص إليها البهي: أن هناك صلة وثيقة بين ما يسميه بنزعة التجديد في مسألة بشرية القرآن، وبين مصادر هذه المسألة في الفكر الغربي الاستشراقي, الأمر الذي يؤكد عنده أن التجديد في الفكر الإسلامي هو عبارة عن أخذ من الغرب في كل شيء، بطريقة عمياء, ومن دون احتياط حسب وصفه.
الاسلام والحكم
ثانياً: قضية أن الإسلام دين لا دولة, ويظهر مثل هذا التأثر حسب نظر البهي, في كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» الصادر عام 1925م، وهو الكتاب الذي أحدث ضجة فكرية أيضاً في وقته، ويعتبره البهي من كتب التجديد في الفكر الإسلامي الحديث، ويعرض دعوى أن الإسلام دين لا دولة. وفي عرضه لهذه الدعوى ـ كما يضيف البهي ـ فإنه يأخذ ويستعير من الدراسات الإسلامية للمستشرقين القساوسة الصليبيين، واليهود الحاقدين وما عندهم من آراء في هذا الجانب. ويعتقد البهي أن كتاب: «الإسلام وأصول الحكم», يتخذ الطابع الذي عرفت به المسيحية بين أتباعها أساساً في تقدير الإسلام كدين، على نحو ما صنع الغربيون في حكمهم عليه، ولهذا فهو كتاب يحكي عن الغرب أكثر مما يتحدث عن جوهر الإسلام. كما يعتبر البهي أن كتاب: «الخلافة» الصادر عام 1924م، للمستشرق الإنجليزي توماس أرنولد الذي كتبه عقب الثورة الكمالية في تركيا، تمجيداً لهدم الخلافة وإبعاد الإسلام عن مجالات الحياة العامة هناك، هذا الكتاب يعد من المصادر الموجهة لكتاب عبد الرازق في تحديد طبيعة الإسلام كدين لا دولة.
أما الاتجاه الآخر, الذي تسرب نفوذه وتأثيره إلى مصر والمشرق العربي في صورة تجديد الفكر الإسلامي الحديث، فهو التفكير الوضعي والمادي الذي انتهت قمته أو انتهى غلوه في نظر البهي إلى تفكير الشيوعية، وهو تفكير انبثق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأصبح بعد الحرب العالمية الثانية, يتصارع بعنف مع الديموقراطية الغربية من جانب، والأديان جميعاً من جانب آخر. وفي هذا الشأن, يعرض البهي لمشكلتين كانت لهما في نظره, طابع الرواج في الفكر الإسلامي الحديث بالمشرق العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهاتان المشكلتان في تقديره هما:
أولاً: مشكلة خرافة الميتافيزيقا، والتي تتضمن حسب رأي البهي خرافة الدين، وإنكار قيمته في التوجيه، وهي وليدة الفكر المادي السابق على ظهور الشيوعية. والنموذج الذي يشير إليه البهي لتسرب هذه المشكلة والتأثر بها في الفكر الإسلامي الحديث هو كتاب: «خرافة الميتافيزيقا» للدكتور زكي نجيب محمود, الصادر عام 1953م، والذي يرى البهي أنه كتاب منقول من الفكر المادي الأوروبي.
ثانياً: مشكلة اعتبار أن الدين مخدِّر، وهو شعار الشيوعية والماركسية, وتتضمن هذه المشكلة في نظر البهي مطاردة الدين وإبعاده عن مجال الإنسان والجماعة. وفي هذا النطاق يعرض البهي ثلاثة نماذج اعتبرها متأثرة بهذا النهج وتابعه له، وهي كتاب خالد محمد خالد «من هنا نبدأ» الصادر عام 1950م، والذي تحدث فيه ناقداً من أسماه بالكهنة والسلطة الدينية.
ابن خلدون في القاهرة وكتاب رشدي صالح «رجل في القاهرة» الصادر عام 1957م، ويقصد به ابن خلدون, ويتحدث فيه عن التغيير المادي والاقتصادي للتاريخ. وكتاب مصطفى محمود «الله والإنسان» الصادر عام 1958م, ويتحدث فيه عن الصراع بين العمل ورأس المال. ويرى البهي أن رشدي صالح كان أكثر مهارة من المؤلفين الآخرين؛ لأنه أخذ حسب رأيه بالأفكار الماركسية، وأكَّد على تبعية القيم المعنوية والأخلاقية والعقلية للمادة والفكر المادي في جو الثقافة الإسلامية، ولكن في تعثر واضح حسب تقدير البهي نفسه. ويختم البهي حديثه في نهاية هذا الفصل عن التجديد في الفكر الإسلامي, بهذه النتيجة التي يقول فيها: «ونرى أن المجددين في الفكر الإسلامي الحديث في الشرق، أتباع مرددون، وليسوا أصحاب حكم ونقد، تدفعهم رغبة الترديد، وسطحية الفهم، أو يدفعهم الاحترام إلى ترديد ما يرددون. وهم لأي واحد من هذه الأسباب ليسوا أصحاب فلسفة، ولا أتباع مدرسة فلسفية خاصة؛ لأنه تنقصهم الذاتية في بناء الفكر ونقده»([11]).
الإصلاح الديني في مقابل مفهوم التجديد في الفكر الإسلامي الذي يرفضه البهي, ويعتبره تقليداً وترديداً واتِّباعاً أعمى للفكر الأوروبي، يتبنى مفهوم الإصلاح الديني، الذي خصص له فصلاً في كتابه سالف الذكر, ويُعنى به في مجال الإسلام محاولة رد الاعتبار للقيم الدينية، ورفع ما أثير حولها من شبه وشكوك، قصد التخفيف من وزنها في نفوس المسلمين, ومحاولة السير بالمبادئ الإسلامية من نقطة الركود التي وقفت عندها في حياة المسلمين، إلى حياة المسلم المعاصر، حتى لا يقف مسلم اليوم موقف المتردد بين أمسه وحاضره عندما يصبح في غده. والأمارة التي يتخذها البهي علامة وطابعاً للإصلاح الديني, هو الكشف عن القيم الذاتية للإسلام. ولا يقصد البهي بهذا الكشف ـكما يقول ـ الدفاع عن الإسلام؛ لأن هذا الدفاع في نظره قد يشتبك مع حماس العاطفة، فيؤثر في القيمة الذاتية للإسلام. ومدلول الكشف الذي يريده البهي هو فصل ما يتصل بالإسلام من تحريف في التأويل، أو غموض في التفسير، أو ركود في الفهم. وبهذا المعنى فإن الإصلاح الديني في مجال الإسلام حسب رأي البهي, وثيق الصلة بالعصر الذي يتم فيه، وبالفكر الذي يقوم بمحاولته، وبظروف الحياة التي عاش فيها الفكر. كما أن الإصلاح الديني بوصفه محاولة فكرية يغاير في نظر البهي, منهج وعمل الحركات الدينية التي تعتمد على تبسيط تعاليم الإسلام وتقريبها من العقلية العامة، ويغاير كذلك المحاولات التي تسير حسب تصور البهي, في دائرة تفسير خاص لتعاليم الدين، أو تلتزم منهاج مدرسة خاصة من مدارس الفقه أو مذاهب الكلام في العقيدة. وما يخلص إليه البهي بعد هذا الفصل والتحديد, اعتبار أن الإصلاح الديني هو منهج وتفكير يقوم على نقد وبناء، ويسعى إلى اعتبار قيمة واحدة، هي قيمة الإسلام في التوجيه الإنساني.
هذا من حيث الكشف عن تحديد المعنى والمجال لمفهوم الإصلاح الديني، أما من حيث السياق الفكري والتاريخي، فيرى البهي أن الاستعمار الغربي أيقظ بعض المفكرين المسلمين أو دفعهم لأن يخوضوا صراعاً فكريًّا معه في بقاع العالم الإسلامي، واعتمدوا على الإسلام منهجاً في إيقاظ الشعوب الإسلامية لمواجهة المستعمر الأوروبي، وتقديم صورة عن الإسلام تلائم بين تعاليمه وأهداف الحياة المعاصرة، والكشف عن أن الإسلام يمثل مصدر قوة وغاية في الحياة.
اقبال والامام وفي هذا السياق, يتحدث البهي عن شخصيتين إسلاميتين فكريتين ظهرتا في مسرح الإصلاح الديني، هما: الشيخ محمد عبده، والدكتور محمد إقبال. وحين يقارن البهي ويوازن بينهما يرى أن كليهما عاش في القرن التاسع عشر وأدرك القرن العشرين، وكليهما حفظ القرآن، ووقف على حياة الشرق بسبب ميلاده وموطنه, ووقف على حياة الغرب وحضارته بالارتحال إليه وبالإقامة في بلدانه، وكليهما مال إلى التصوف ورأى فيه رفعة النفس الإنسانية وصفاءها، وقوة احتمالها في مواجهة الأزمات والأحداث. إلا أن الشيخ محمد عبده في تقدير البهي, كان يعي من الثقافة الإسلامية بقدر ما كان يعي محمد إقبال من الثقافة الغربية، ومارس الأول الفكر الإسلامي في دراسته وتدريسه وبحثه بقدر ما مارس الثاني دراسة الفكر الغربي وتدريسه وبحثه. وفي حين اندفع الشيخ عبده عن طريق السيد جمال الدين الأفغاني إلى مواجهة الاستعمار الغربي في تشويه الإسلام وتحريفه، اندفع إقبال عن طريق التثقيف ومخالطة الغربيين إلى مواجهة الفكر المادي الغربي، وما له من أثر على المسلم المعاصر. فالشيخ عبده دخل في مواجهة مباشرة مع الاستعمار الغربي ومحاولته تحريف الإسلام عن طريق الاستشراق، ولهذا يرى البهي أن حركته كانت مكملة لحركة السيد جمال الدين الأفغاني.
في حين أن حركة إقبال الفكرية, واجهت اتصال الغرب الفكري بالشرق عن طريق الاستعمار دون أن تواجه الاستعمار مباشرة، ولهذا لا يرى البهي حركة إقبال استمراراً كحركة الشيخ عبده، وإن كانت مشاركة لها في الهدف. فكلاهما إذاً قام بحركة إصلاحية في تعديل المفاهيم الإسلامية، وبيان القيمة الإيجابية في توجيه الإسلام، إلا أن محاولة الشيخ عبده في تقويم البهي كانت أقرب إلى منطق الثقافة الإسلامية، في حين كانت محاولة إقبال في نظره أقرب إلى منطق التفكير الغربي. وليس معنى ذلك عنده أن أحدهما كان أقرب إلى روح الإسلام والثاني أقرب إلى روح الغرب.
التفكير الديني ويعد البهي كتاب إقبال «تجديد التفكير الديني في الإسلام», عملاً فكرياً مضاداً لحركة التجديد في الفكر الإسلامي في مصر التي تزعمها حسب وصفه, بعض التابعين للفكر الاستشراقي، أو بعض المرددين للفكر المادي الإلحادي المتمثل في وضعية كونت، وماركسية ماركس. كما اعتبر البهي الدكتور إقبالاً المصلحَ الفكري في الإسلام، وباعتبار أن محاولته الفكرية موجَّهة في نظر البهي للخاصة، فإنها بحاجة إلى حركة الشيخ عبده لكي تصبح حركة إصلاحية فكرية عامة للجماعة الإسلامية بكل فئاتها وطبقاتها. فمحاولة الشيخ عبده أثمرت في تصور البهي سلسلة من المفكرين المستنيرين في فهم الإسلام، في مصر وسوريا ولبنان وشمال إفريقيا، وله أثره حتى اليوم في الكتابات الإسلامية المتسمة بطابع الفهم السليم لمبادئ الإسلام وظروف المجتمع الحديث. كما أثمرت محاولة إقبال تأسيس دولة باكستان، ووضع دستور إسلامي لها على أساس من القرآن.
وأما عن مستقبل الإصلاح الديني فيرى البهي, أن انقطاع الإصلاح في الفكر الإسلامي، وظهوره في فترات غير متصلة، إلى جانب قلة أعوانه وضيق نطاقه يجعل من الصعب عنده التنبؤ بمصير الإصلاح الديني في صراعه الفكري مع الصليبية الغربية، والماركسية المادية، فهو كفاح في تقديره سيكون طويلاً ومريراً.
 |