|
حزب الوسط الجديد- الثلاثاء 09 مارس 2010
في هذا البحر المائج بالمعاني المضطربة الغامضة، لم يكن يبدو لنا غريبا أن يختلط علي الناس شئ بشئ آخر، لاسيما إذا كان بين الشيئين شبه قريب أو بعيد، فإذا كنت قد رأيت، حتى بين صفوة المثقفين، من يحسب الدين فلسفة ومن يحسب الفلسفة دينا، لما أخذني عجب، لأنني أعلم أن حياتنا الراهنة المليئة بأزماتها، قد أرغمتنا علي أن نتعجل أمورنا، ولا بأس في أن نفهم المعاني مغلوطة ومخلوطا بعضها ببعض، لن يموت أحد بالسكتة القلبية إذا هو فهم الحرية علي أنها عدالة، أو فهم العدالة علي أنها ديموقراطية، أو فهم الديموقراطية علي أنها تواضع، فكلها خيرات ـ وكلها طيبات ـ، فهمومنا في حياتنا اليومية، أكثر جدا من أن تترك لنا شيئا من فراغ البال لنبحث في الفوارق التي تفصل هذه المعاني بعضها عن بعض ، ولسنا كأسلافنا الأقدمين في وقوفهم عند أمثال هذه التوافه، بل عند ما هو أتفه منها، فأنظر إليهم ـ مثلا ـ وقد أزعجهم أن يختلط الحابل بالنابل، حتى لقد ضربوا به مثلا، فالحابل هو من صاد صيده بالحبال، والنابل هو من صاده بالنبال، وقد حدث يوما أن تزاحم الحابلون لصيدهم والنابلون، فاختلط بعضهم ببعض، ولم يتبين منهم أحد صيد من هذا وصيد من ذاك، وربما أخذ كل منهم صيد أخيه وانصرف فماذا يؤرق هؤلاء الأسلاف من موقف يختلط فيه الأمر علي هذا النحو، ما دام كل صياد قد عاد إلي داره ومعه نصيب من الصيد، سواء أمسكته الحبال أم أسقطته النبال، ولكن لا عجب، فقد كانت حياتهم تنعم بالفراغ والطمأنينة، وأما نحن اليوم، فنقضي الساعات بحثا عن مواد طعامنا وطعام عيالنا، فأين هو فراغ الوقت الذي نبحث فيه عن الفرق بين الحرية والديمقراطية، أو الفرق بين العلم والفلسفة والدين؟ ثم لماذا وجع الدماغ في ما ليس طعاما يؤكل ولا دواء يشفي؟
أقول أنني ما كنت أعجب من خلط بين المعاني في حياتنا الفكرية لأنني أعلم عسر الحياة اليومية، وأعانيه، مما يبرر ألا يشغل الناس أنفسهم بما يزيد حياتهم عسرا علي عسر، لولا أنني كنت من ضحايا ذلك الخلط المتعجل الذي لا يعنيه أن يفرق بين المختلفات، خصوصا إذا كانت تلك المختلفات كلها مأخوذة من دنيا الفكر، وهي الدنيا التي لم يعد يقبل عليها أحد، فهات منها ما شئت ولا تخف ولا تخش في ذلك بأسا فكل الأفكار قد أصبحت عند الناس سواء.
نعم، لولا أن أصابني الشرر، لما همني ذلك البحر اللجي المائج بالمعاني الغامضة المتداخلة التي يحياها الناس وهم في شبه غيبوبة عقلية، والفرق بعيد بين موقف تتبناه من الناحية النظرية، فتري فيه أي رأي تشاء، وموقف آخر يمس حياتك الفعلية مسا يجاوز سطح الجلد ليغور في الأعماق، ولست أنسي في هذا الصدد رجلا كان عضوا في المحكمة التي حكمت علي جان دارك بالموت حرقا، وتنفيذا لذلك الحكم أشعلت النار عالية اللهب، وعلقت جان دارك بحيث يحتويها ذلك اللهب، وبينما هي تحترق، شاءت المصادفة أن يمر ذلك الرجل من هناك فيشهد المرأة القديسة في محنتها، فكاد يصاب بالإغماء فزعا مما يري، ولما أسرعوا به بعيد عن مشهد الرعب، سأله رفيقه: ألم تكن عضوا في المحكمة التي قضت بهذا القضاء؟ ففيم هذا الجزع إذن؟ فأجابه الرجل: الفرق بعيدا يا صاحبي بين أن أحكم حكما وأنا آمن فر غرفتي، وبين أن أري بعيني نتيجة هذا الحكم بعد أن أصبحت واقعا.
ومع الفارق بين الحالتين: فلا أنا بما كتبت وما قلت شبيها بجان دارك، ولا الذين خلطوا في فهم ما كتبته وما قلته يشبهون القضاة الذين قضوا بإحراقها، فإنني أشعر بأنني ربما لم أكن أهتم كل هذا الاهتمام بحياة الغموض الفكري الذي نحياه اليوم، لولا أن مسني منه شرر، وكيف كان ذلك؟
لقد أراد لي وفيق الله، منذ بدأت حياتي العقلية المنتجة، أن أقع علي طريق من طرق التفكير الفلسفي، رأيته وكأنما خلقت له وخلق لي، ثم رأيه كأنه أنسب ما أقدمه في عالم الفكر لأمتي، لأنه إذا كان الغموض والخلط بين المعاني، أحد الأمراض العقلية التي أصابت أمتي، فتلك الطريقة من طرق التفكير هي من أنجع وسائل العلاج، وأما تلك الطريقة التي أشير إليها، فهي بكل بساطة ووضوح ـ أننا إذا كنا في مجال "العلم" ( وأود أن أكرر هذه اللفظة ألف مرة. العلم. العلم. العلم. . . وعلي القارئ هنا أن يكمل لنفسه المرات الألف) يطابق الواقع عن التطبيق، وبالتالي، فهو لابد أن يكون مما يصلح عليه اختبار الصدق، مما هو معروف في مناهج البحث العلمي، أما مجالا القول الأخرى، التي ليست من العلوم، فلكل مجال منها معياره الخاص.
إلي هنا والكلام مقبول ولا اعتراض عليه، لكن تبدأ الدهشة، ويبدأ الاعتراض، عندما نطبق هذا المعيار العلمي في بعض مجالات القول في عالم الفلسفة، ولماذا أشير إلي عالم الفلسفة هنا دون سواه؟ أفعل ذلك لأنه هو العالم الذي كان علي أن أعيش فيه، بحكم أستاذا للفلسفة في الجامعة. فهنالك في عالم الفلسفة فرع اسمه "الميتافيزيقيا" أو م"ما بعد الطبيعة" ويهمني جدا في هذا الموضع أن أوضح للقارئ لماذا أطلقوا عليه هذا الاسم؟ فالأمر في هذه التسمية جاء مصادفة، وذلك إن أتباع الفيلسوف اليوناني أرسطو، حين أرادوا ـ بعد عهده ـ أن يرتبوا مؤلفاته ويصنفونها، وكان من بينها كتاب "الطبيعة"، وجدوا عدة فصول في مادة لم يتبينوا موضوعها بوضوح، فأسموها بموضعها من ترتيب المؤلفات، وكان موضعها ـ مصادفة ـ بعد كتاب الطبيعة، فقيل عنها ما بعد الطبيعة بناء علي ذلك، وذلك هو معني كلمة "ميتافيزيقا" التي يستعملها دارسوا الفلسفة.
وقد بات هذا الاسم يطلق علي أي بحث عقلي يريد صاحبه أن يتعقب موضوعا ما إلي أن يصل إلي ينابيعه الخافية علي العين، فمثلا إذا تعقبنا "الأخلاق" إلي الجذور الأولي التي نبع منها ما يسمي الأخلاق، كان ذلك بحثا في ميتافيزيقا الأخلاق، وإذا ما تعقبنا العلوم إلي ما قد يكون وراءها من أصول لولا وجودها لما تفرعت لنا العلوم التي نراها بين أيدينا، كان ذلك البحث بحثا في ميتافيزيقا العلوم، وهكذا.
لكن إلي جانب هذه البحوث الميتافيزيقية الفرعية، قد يحاول الفيلسوف ـ من كبار الفلاسفة علي وجه الخصوص ـ أن يتناول الكون كله بالتفسير، ويقصد بالتفسير هنا أن يفرض الفيلسوف علي ضوءه كل جوانب الوجود، من الحب والصداقة والشجاعة، ونظم الحكم، فصاعدا إلي حركة الأجرام السماوية والحياة والموت والخلود، ومثل هذه المحاولة هي "ميتافيزيقا".
إنني أحاول أن أوضح للقارئ ما وسعني التوضيح، ليسايرني ويشاركني فيما أردت عرضه عليه، أما وقد أنبأته بأن فيلسوفا ما قد يضع "مبدأ" يري أنه مستطيع بمبدئه ذاك أن يفسر كل شئ، فسأضيف له الآن جانبا هاما، وهو أن من حق فيلسوف آخر أن يضع مبدأ آخر، يري أنه أفضل من مبدأ زميله في تفسير الكون والكائنات، وهذه النقطة أرجو أن ترسخ في ذهن القارئ،لأنني سألجأ إليها بعد قليل.
فقد حدث أن نشرت كتابا سنة 1953، أسميته "خرافة الميتافيزيقا" (وأعدت طبعه منذ قريب جاعلا عنوانه "موقف من الميتافيزيقا"، وطبقت في ذلك الكتاب منهجي الفلسفي في النظر إلي ما ينتمي إلي مجال "العلم"، وبينت كيف أن البناء الفكري الذي يولده الفيلسوف من مبدأ معين، هو بمثابة التوأم للبناء الرياضي الذي يقيمه عالم الرياضة ـ مثل إقليدس في علم الهندسة ـ ففي كلتا الحالتين: البناء الميتافيزيقي، والبناء الرياضي، نقول عنه أنه صحيح، إذا وجدنا النتائج مستدلة استدلالا صحيحا من "المبدأ" ـ في حالة الميتافيزيقا ـ ومن المسلمات ـ في حالة الرياضة ـ أي أن البناء المعين من النوعين لا تتوقف صحته علي كونه مطابقا للواقع الطبيعي، فإذا زعم لنا فيلسوف أن بناءه الميتافيزيقي يصف الكون كما هو واقع، عارضناه في ذلك، كما يعارض عالم الرياضة إذا زعم أن صحة نظرياته الرياضية مستمدة من أنها مطابقة للواقع الطبيعي.
فلما نشر الكتاب المذكور، غضب كثيرون، علي ظن منهم أنه ما دام الكتاب ينفي أن يكون فيلسوف الميتافيزيقا محقا في جعل بنائه الفكري مطابقا بالضرورة لدنيا الواقع، فكان الكتاب المذكور ينفي أيضا أن تكون العقيدة الدينية في إله موجود محقة فيما ذهبت إليه!.
وأعود هنا بالقارئ إلي الحقيقة التي رجوته أن يحفظها في ذهنه جيدا، وهي أن الفيلسوف إذ يبني بناءه الميتافيزيقي، فإنما يقيمه علي مبدأ من عنده وأن أي فيلسوف آخر من حقه كذلك أن يقيم بناء آخر علي مبدأ من عنده، وبذلك تتعدد البناءات الفلسفية بتعدد أصحابها.
وأما في حالة الدين فالأمر مختلف أشد ما يكون الاختلاف لأن البناء الديني قائم علي وحي منزل، وليس من حق أحد أن يبني دينا علي شئ آخر من عنده هو، اللهم إلا إذا كان خارجا علي هذا الدين، وعندئذ لا يحسب له حساب، فبينما تتعدد البناءات الفلسفية بتعدد الفلاسفة، يظل البناء الديني واحدا لوحدانية الموحي إليه.
وإذا جعلنا حديثنا هنا مقصورا علي الإسلام، قلنا إن شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، تتضمن فيما تتضمنه، وحدانية من أوحي بالدين، ومن نزل عليه الوحي، وذلك يستتبع أن يظل البناء الديني عند المؤمنين به واحدا عند الجميع.
تلك ناحية، وناحية أخري، أن حديثي كله الذي تحدثت به عن منهجي الفلسفي وتطبيقه، إنما يقتصر فقط علي مجال "العلم" (ومرة أخري أود لو أني أخذت أكرر كلمة "العلم" ألف مرة:العلم، العلم، العلم.. إلي أن أبلغ الألف) أي أنه منهج فكري لا يراد به، ويستحيل أن يرد به، الانطباق علي مجال الدين، أو علي أي مجال آخر غير مجال "العلم" والعلم وحده.
فقل لي بالله، كيف يمكن بعد هذا كله أن يخلط الخالطون بين قول قيل في عالم الفلسفة، وبين ما لم نذكره من عالم الدين، ماذا كنت أصنع تحديدا وتوضيحا لأمنع حدوث الخلط الذهني الذي علق في أذهان من أخذوا علي أنفسهم عهدا أن يعيشوا حياتهم في الغموض الفكري شهيقا وزفيرا؟ فأولا لم يكن لي في الكتاب المذكور أي شأن بأي قول ورد في أي دين من الأديان، وثانيا لم يكن المرفوض هو الانساق الميتافيزيقية في ذاتها، فتلك الانساق بناءات فكرية محكمة النسج إحكاما لا يقارن إلا بالبناءات الرياضية، فلو أن الفيلسوف الميتافيزيقي قدم نسقه الفكري علي أنه تصور عقلي لا يشترط لقبوله أن يكون تصويرا لحقيقة الكون كما هي قائمة في الواقع الفعلي، لما كان لنا علي عمله اعتراض، وهذا نفسه هو الموقف بالنسبة لأي نسق في العلوم الرياضية، فهو يكون صحيحا بالنسبة للعلاقات الاستدلالية الكائنة بين أجزائه، لكنه ليس حتما هو الصورة التي تطابع الواقع الخارجي.
الفروق بين الفلسفة واسعة وعميقة بحيث يستحيل أن يخطئها بصر، والاختلاف بينهما متعدد الجوانب، فهو اختلاف في المصدر، إذ الدين مصدره وحي يوحي إلي نبي أو رسول، وأما الفلسفة فهي قائمة علي رؤي بحدسها إنسان من البشر، وإما جاءت تلك الرؤي صادقة ونافعة، وإما جاءت باطلة لا تنفع أحدا، وهو كذلك اختلاف بينهما في الطريقة التي يتلقي بها المتلقي ما يقدم إليه، ففي الدين إما أن يصدق المتلقي ما يقال له وإما أن يرتاب، أعني أنه إما أن يؤمن بالرسالة وإما ألا يؤمن بها، وأما في الفلسفة فالقبول أو الرفض أو التعديل مرهون بمراجعة الاستدلالات المنطقية التي يتنقل بها الفيلسوف من جزء إلي جزء آخر، ثم هو مرهون كذلك بقدرة ما يقدمه الفيلسوف علي تفسير ما نراه في الكون وكائناته، وهو فوق هذا وذاك اختلاف بينهما في الوظيفة التي يؤديها كل منهما، فالدين منظومة من العقائد والشرائع والعبادات والمبادئ، يتكون منها خطة حياة هنا في هذه الدنيا، وتمهد للحياة الأخرى يوم يكون الحساب، وتلك المنظومة الدينية إذا ما أرسلت قواعدها في حياة الناس، فهي إنما تصبح ركيزة إيجابية ـ بل أهم الركائز الإيجابية جميعا ـ فتضاف إلي ما عند الناس من علوم وفنون وآداب وأعراف وتقاليد وغير ذلك من مقومات المجتمع، وأما الفلسفة فهي مختلفة عن ذلك كل الاختلاف، لأنها تبدأ فعلها بعد أن يكون المجتمع قد أقام مقوماته تلك ليحيا في إطاراها، إذ يأخذ صاحب الفكر الفلسفي في تعقب أي مقوم من تلك المقومات إلي أصوله المضمرة المستورة أو قد يكون الفيلسوف واسع الأفق فيتناول جميع ما حوله في قضمة واحدة، ليردها جميعا إلي أصل واحد مشترك، وبعبارة أخري نقول إن الفلسفة التي تصب فاعليتها علي ظاهرة معينة لتكشف عن طبيعتها أولا، وعن علاقاتها ببقية الظواهر ثانيا، لابد ـ بالضرورة ـ أن تجئ بعد قيام الظاهرة ذاتها، ففلسفة العلم ـ مثلا ـ لابد أن يسبقها وجود العلم، وفلسفة اللغة لا بد أن تسبقها اللغة، وفلسفة الإسلام لابد أن تجئ بع ظهور الإسلام، وفلسفة التاريخ لابد أن تجد تاريخا لتصب رؤيتها عليه، وفلسفة الوجود بصفة عامة لابد أن يسبقها ذلك الوجود.
قارن بين متكلم يقرر في جملة يقولها أنه يحب ليلي، وبين مفكر يتناول حالة هذا المحب ليتعقب إلي نشأتها كيف تكون، تجد أن الفرق بين الرجلين هو كالفرق بين عابد مؤمن يحيا حياته الدينية ـ وفيلسوف يتأمل مقومات تلك الحياة ليخرج مضامينها في ثناياها، فإذا وجدت الآن أن الفرق بات واضحا بين ما ينخرط في المتدين من أسلوب للعيش وطرائق للعبادة وغير ذلك، وبين رجل يتناول الظاهرة الدينية كلها بالنظر النافذ الذي يبين مكنونها من مبادئ وأهداف، أقول إنك إذا وجدت الآن أن الأمر بينهما أصبح واضحا، فقل لي نشدتك الله: كيف يمكن لصاحب فكر فلسفي، إذا ما استعرض أقوالا لفلاسفة بالتحليل ليكشف فيها عن جوانب الصواب وجوانب الخطأ من وجهة نظره، أقول: كيف يمكن لرجل كان هذا هو عمله، يتعرض لمن يتهم وجهة نظره بأنها منافية للدين بأي وجه من الوجوه؟
إنه الخلط الفكري الذي رزئنا به في حياتنا الثقافية، حتى أصبحنا وكأننا في تلك الحياة نخوض في عماء سحاب أدكن، ويكتنفه ضباب قائم كثيف.
 |