|
حزب الوسط الجديد- الثلاثاء 30 نوفمبر 1999
منذ فترة يبدو في الأفق العام جدال حول علاقة الدين بالدولة ، يهدأ أحياناً ويتصاعد أحياناً أخرى ، وفي الآونة الأخيرة أُعيد طرح الموضوع من جديد في إطار الحملة العلمانية المتطرفة ضد المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن "دين الدولة الإسلام ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" ، فهناك رؤى متطرفة على الجهتين الجهة العلمانية فيها من يطالب بإبعاد الدين تماماً عن الدولة ويفسرون العلمانية بأنها إبعاد الدين عن الدولة ، وفي الجهة الإسلامية فيها من يطالب بصياغات دينية متشددة للدولة تجعلها أقرب إلى مفهوم الدولة الدينية التي عُرفت في الغرب المسيحي ولم تكن يوماً في العالم الإسلامي ، وكلتا الرؤيتين لا تصلحان لمجتمعاتنا العربية والإسلامية الحديثة. الخبرة الغربية وفصل الكنيسة عن الدولة : بطبيعة الدين المسيحي لا توجد فيها نظم وأحكام وشريعة ، وبالتالي في المجتمعات الغربية ذات الأغلبية المسيحية لم تعرف نظام حكم مسيحي ، وفي القرون الوسطى حيث تحالفت الكنيسة مع الأباطرة والملوك ، ثم تحول الحكم إلى الكنيسة وليست للدين المسيحي ، وسام رجال الكنيسة مجتمعاتهم سوء العذاب باسم الآله وباسم الرب ، واحتكروا الحقيقة وهرطقوا أي كّفروا من خالفهم وأعملوا القتل والتعذيب باسم الإله ، وكرد فعل على هذه التجربة تمردت هذه المجتمعات على دور الكنيسة ورجالها وهم يسمون (رجال الاكليروس) وطالب الناس بحكم المدنيين وهم يسمون في المفهوم الكنسي (العلمانيون) كتعبير مضاد للاكليروس ، فالعلمانيون في المفهوم الكنسي هم عكس رجال الدين والكنيسة (الاكليروس) ، فطالبوا بالعلمانية بمفهوم فصل الكنيسة ورجالها عن الدولة ، أي إبعاد المؤسسة الدينية عن الحكم والسلطان ، ولقد تفاوتت الخبرة الغربية في رد فعلها نحو هذا المفهوم من دولة إلى أخرى ، فلقد وجدتُ في ألمانيا في زيارات لي متعددة وحوارات مع رجال الدولة والفكر ونواب البرلمان ورؤساء الكنائس أن العلمانية في ألمانيا لا تبعد حتى الكنيسة عن إدارة شئون الدولة ، فلقد حضرت لقاءاً منذ عامين في مقر الكنيسة البروتستانتية لنواب يمثلون الكنائس في الأحزاب الحاكمة والمعارضة وهم ينقلون مشروعات القوانين للكنيسة لتقول رأيها فيه قبل أن تصدر ويأخذ البرلمان الألماني (البوندستاج) برأي هذه الكنائس وهما كنيستين كبيرتين (الكنيسة البروتستانتية والكنيسة الكاثوليكية) ، بالطبع هذا بخلاف فرنسا شديدة العلمانية نظراً لتجاربها المريرة مع الكنيسة الكاثوليكية ، أما في انجلترا فعلمانيتها أيضاً مختلفة والملكة ترأس كنيسة انجلترا ولا تقوم هي أو أي من أركان الدولة بما يغضب الكنيسة ورجالها ، فالوضع في التجربة الغربية أذن متفاوت ، والتمرد كان على سطوة أو سيطرة الكنيسة على الحكم والفصل كان للمؤسسة الدينية المستبدة وإبعادها عن أن تكون هي الحاكمة بشكل مباشر وأن تفاوت هذا الإبعاد من بلد إلى آخر كما أسلفنا . الخبرة العربية الإسلامية وعلاقة الدين بالدولة : منذ ظهور الإسلام في المنطقة العربية وانتشاره فيها من المحيط إلى الخليج إلا وكان له دور رئيسي في تكون هوية وحضارة هذه المنطقة من العالم ، ولأن طبيعة الإسلام مختلفة عن المسيحية حيث أن الإسلام دين ودولة ، قيم روحية وأحكام منظمة لشئون الحياة ، فكان له اسهاماته في صياغة منظومة القيم في المجتمع بكل اشكالها ومنها المنظومة السياسية والقيم الحاكمة للدولة في هذه المنطقة ، ولهذا السبب لا توجد في الإسلام مفهوم كهنوتي ولا ما يسمى رجال الدين (الاكليروس) ولكن يوجد علماء متخصصون في علومه الشرعية من فقه وتفسير وعقيدة . . . إلخ ، وبالتالي كان من حكم في الدولة الإسلامية الأولى هم رجال حكم وبحكم دور الدين في الدولة في المفهوم الإسلامي ودور الحاكم الفرد في هذه الفترة كان من شروط الحاكم إلمامه بعلوم الشريعة بالإضافة إلى إلمامه بنظم الحكم والإدارة والعلوم العسكرية المتاحة في هذه الفترة لقيادة الجيوش ، ولما تطورت الدولة الإسلامية وتعقدت واتسعت تحولت هذه المنظومات الحاكمة إلى مؤسسات أنفصل فيها الفرد عن المؤسسة مثل ما حدث في رأس الدولة وفي القضاء وفي الجيش وفي الاقتصاد . . إلخ ، ولأن أحكام الإسلام صالحة لكل زمان ومكان فكان من رحمة الله بالبشر أن جعل الأحكام الثابتة فيها بالتفصيل والأحكام المتغيرة فيها المبادئ العامة دون تفصيل لتغيير التفاصيل حسب المكان والزمان والتطور البشري الإنساني ، وبالطبع نظم الحكم والأداة والسياسة من هذه الأحكام المتغيرة فالذي يحكمها هي مبادئ الإسلام من العدل والشورى والحرية . . إلخ . وعلى هذا جرى اختيار الناس ورضاهم طوال التاريخ على استلهام مبادئ الإسلام في تنظيم حياتهم السياسية كما يقول د . محمد سليم العوَّا " . . وحين تتفق أغلبية الناس في دولة إسلامية ما على استلهام أحكام الإسلام في المجال السياسي لتنظيم حياتهم السياسية ، فإن التفاصيل لن تكون أبداً مشكلة ، وحتى إذا كانت لأي سبب من الأسباب ، فإنها سوف تحل على أساس الحاجات الاجتماعية ، بوضع الحلول العلمية لها في ضوء قواعد الاجتهاد الإسلامية صـ 235 من كتاب "في النظام السياسي للدولة الإسلامية ط الثانية"، ونظراً لتعقد الدولة في العصر الحديث فقد تطور الاجتهاد الإسلامي للفصل بين الإمامة الدينية والإمامة السياسية (كما ذكر د. توفيق الشاوي في "فقه الشورى والاستشارة" ، وكذلك المستشار حسن العشماوي الذي فرق بين الالهي والبشري ، في القضية السياسية التي سماها "مشكلة الحكم في كتاب "الفرد العربي ومشكلة الحكم"). وكذلك رفض حسن العشماوي إقامة الحكومة الدينية ويذكر أن الداعين للمشروع الإسلامي والقائلين بأن الإسلام دين ودولة لا يمكن فهم دعواهم على أنها دعوة لحكومة دينية ويقول " . . . لقد جربت الأرض الحكومة الدينية أكثر من مرة ، جربتها على يد كهنة الآلهه المتعددين في أكثر من مكان ، فكانت المآسي في الحكم باسم الآلهة ، وجربتها على يد أحبار اليهود الذين اباحوا – باسم السماء - قتل زكريا ويحيى وحكموا بإعدام المسيح ، وجربتها على يد الكنيسة والملوك والقياصرة أصحاب الحق الإلهي ، فرأت محاكم التفتيش وإحراق القديسين والعلماء والمجددين في المذهب ، ورأت شهداء المسيحية الأصلية في مصر تقتلهم الواسطة الرومانية التي أدعت أنها تحكم باسم السماء . . وجربتها أمة المسلمين مع من ظنوا أن الخلافة ظل الله في الأرض ، وأن قولها هو قول السماء ، فرأت مبكراً محنة مالك وابن حنبل ، ثم رأت حبس أو قتل كل من اجتهد ليواكب أحداث العصر أو سطوة الحكم ، ثم رأت اضطهاد كل مجدد – أخطأ أو أصاب - يريد أن يرجع إلى أصل الدين لا شكله وقشوره " صـ 132 من كتاب "الفرد العربي ومشكلة الحكم" لحسن العشماوي ، كما أن كثير من الكتاب المحدثين ناقش أفكاراً مشابهة مثل كتاب السفير محمد أمين جبر (الدين والدولة الحديثة) ، وكذلك الدراسة الهامة للمستشار طارق البشري التي عنوانها (الوضع القانوني المعاصر . . . بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي). العلاقة بين الدين والدولة تنظيم أم إبعاد ؟ ! ننتهي من كل ما سبق أن العلاقة بين الدين والدولة في بلادنا قائمة لا يمكن فصلها أو إبعادها ولكن المطلوب مناقشة هادفة من كل الأطراف للاتفاق على قواعد هذه العلاقة وتنظيمها بما لا يسمح بتكرار وقائع ظلم باسم الدين أو الحكومة الدينية أو الاستبداد عن أي ايدلوجية ، وكذلك رفض الفكر العلماني المتطرف الذي يريد أن يبعد الدين تماماً عن الدولة فهذا لن يكون أبداً بإذن الله طالما كان أغلب هذه البلاد يتمسكون بهويتهم وثقافتهم التي شكل وعيها الإسلام كدين وحضارة.
 |