29 محرم 1439 الموافق 19 أكتوبر 2017
أحدث الأخبار
29 مايو، 2017   عدد المشاهدات : 1٬004

هل أصبح استمرار الموقف الثابت لمصر من رفض الانضمام لأحلاف عسكرية تباركها الدول الكبرى عبئا على السياسة الخارجية لمصر، أم أنه كان الموقف الصحيح الذي جنب مصر أخطارا كبيرة ومنحها حرية في الحركة ومكانة مرموقة على الصعيدين الإقليمي والدولي. أخطار مماثلة قد تشهدها مصر الآن في تحولها إلى إنزلاق تدريجي بالدخول في تحالفات كانت ترفضها في السابق، مما قد يؤدي إلى أن تتصاعد المخاطر التي تواجه مصر على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وأن يسهم ذلك في زيادة التوتر في الشرق الأوسط في وقت هي في أشد الحاجة للبحث عن السلام وإخماد حرائق الصراعات المندلعة في الشرق الأوسط، حرصا على أمنها من ناحية وحتى تتوافر الظروف التي تسمح لها بتكريس كل جهودها لإحداث تنمية حقيقة في اقتصادها تخفف وطأة الفقر على أكثر من ربع مواطنيها وتوفر فرص العمل الكريم لملايين من شبابها. وتزداد مخاطر هذا التحول لأن منطلقات سياسة مصر الخارجية منذ استقلالها كانت تحظى بإجماع شعبي واسع، بينما تجرى هذه التحولات الجديدة دون نقاش واسع، ودون أن يكلف المسؤولون عن سياستنا الخارجية عناء شرح أسباب هذه التحولات للمواطنين.

لقد قامت سياسة مصر الخارجية منذ استقلالها على رفض الدخول في أي تحالفات مع القوى الكبرى، أو تحالفات تباركها هذه القوى الكبرى وإن لم تكن عضوا صريحا فيها، لأن هذه التحالفات تخدم في الأساس مصالح هذه القوى الكبرى. وقد رفضت الحركة الوطنية المصرية مشروعات معاهدات مع دولة الاحتلال لأنها رأت فيها ربطا لمصر بتحالف عسكري معها، فهكذا كان الموقف من مشروع معاهدة صدقي بيفن في سنة 1946، وعندما كانت مصر تضطر للتنازل بالسماح لدولة أجنبية باستخدام وجودها في مصر للدفاع عن مصالحها هي، فإنها كانت تتحين الفرص للتخلص من هذه الالتزامات في معاهدات غير متكافئة. ولذلك أعلن النحاس باشا في 1951 إلغاء توقيع مصر على معاهدة 1936 التي كانت تسمح ببقاء قوات الاحتلال على أرضها وأسرع جمال عبدالناصر وألغي في سنة 1956 اتفاقية الجلاء التي كان قد وقعها مع بريطانيا في 1954 وكانت تسمح بعودة القوات البريطانية إلى قاعدة قناة السويس في حالة نشوب حرب تهدد مصر أو أيا من الدول العربية أو تركيا. كما ناضلت مصر بشراسة ضد حلف بغداد الذي كان يضم العراق وتركيا وإيران وباكستان، وتؤيده كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وكانت مصر قد دعيت للانضمام له، كما قاومت مصر لنفس الأسباب فكرة الحلف الإسلامي الذي كان يدعو له الملك فيصل في المملكة العربية السعودية فى أوائل الستينيات من القرن الماضي وتؤيده القوتان الغربيتان.

***

استندت مواقف مصر طوال هذه الفترات الماضية إلى مقدمات واضحة وهي أن التحالف بين دول مستعمرة سابقا والدول الاستعمارية القديمة أو الجديدة لا يمكن أن يكون علاقة متكافئة، ومن ثم ستكون أهداف التحالف هي ما يراه الطرف الأقوى، وسوف يكون الطرف الأضعف هو مجرد أداة لخدمة مصالح الطرف الأقوى دون أن يعود عليه ذلك بأي نفع على المدى الطويل. ولذلك كان عبدالناصر يتساءل في محاوراته مع ممثلي القوى الكبرى لماذا يدعونه للانضمام لواحد من هذه التحالفات ضد دولة وهي الاتحاد السوفييتي لا تمثل خطرا حاليا على مصر بينما تتجاهل إسرائيل وهي التي تشكل تهديدا وتقع على حدود مصر. لقد كسبت مصر من هذا الموقف ليس فقط استقلالها في صنع سياساتها الداخلية والخارجية، ولكنها أصبحت بفضل هذا الموقف المستقل زعيمة العالم العربي وقطبا من أقطاب حركة عدم الانحياز على المستوى الدولي. وكسبت هذه السياسة الخارجية إجماع الشعب المصري لأنه رأى فيها ما يحقق مصالحه وما يجنبه الدخول في صراعات دولية لا شأن له بها.

هذا الموقف الواضح الذي لقى الإجماع الشعبي تنزلق الحكومة المصرية تدريجيا بالابتعاد عنه. طلبت من حلف الأطلنطي أن تكون لها فيه بعثة دائمة، دون أي مناقشة لأبعاد هذا القرار على سياسة عدم الانحياز التي تتبعها رسميا ولا على علاقاتنا مع دول مثل روسيا الاتحادية، وأخيرا حضرت الحكومة المصرية الأسبوع الماضي قمة الرياض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي بارك إعلان الدول المشاركة فيه عن قيام حلف عسكري إسلامي لمقاومة الإرهاب، سوف تقدم له الولايات المتحدة كل المساعدة دون أن ترسل قوات للمشاركة في عملياته، والتي ستتركها لما يقدر بأنه أربع وثلاثون ألفا من الجنود تقدمها دول هذا التحالف، والمفروض أن مصر من بينها.

***

طبعا الإرهاب هو خطر تواجهه مصر، وقد كان آخر ضحاياه الأبرياء هم أطفال المنيا الأسبوع الماضي، ولكن هل سيسهم هذا التحالف في مواجهة الإرهاب في مصر؟ وهل الحكومة المصرية بحاجة لهذا التحالف لمساعدتها على المواجهة الشاملة للإرهاب التي تحدث عنها السيسي. الإجابة هي بالنفي لأن الإرهاب المقصود، كما ذكر الرئيس الأمريكي، هو إيران وحزب الله وحماس قبل أن يكون القاعدة أو داعش. هل تمثل هذه الأطراف الثلاث قوى فاعلة في الأنشطة الإرهابية التي تجري في سيناء أو في القاهرة والإسكندرية وطنطا والمنيا؟ وهل ستوجه مصر مواردها المحدودة للتصدي لهذه الأطراف التي لم تعلن عداءها للشعب المصري، بل إن إيران على لسان الكثيرين من كبار مسؤوليها ترحب بعلاقات وثيقة مع مصر، كما أن مصر تقيم في الوقت الحاضر علاقات جديدة مع حركة حماس ويحضر ممثلوها للقاهرة، وقد خطت قيادتها خطوات نحو أساس حل سلمي مع إسرائيل. طبعا هنا خلافات بين الحكومة المصرية وكل من هذه الأطراف، ولكن هل يكون الطريق إلى حل هذه الخلافات هو شن الحرب عليها كما يريد الرئيس الأمريكي، أم بالدخول في حوار معها لا تتنازل فيه مصر لا عن مصالحها ولا عن دفاعها على مصالح دول الخليج العربية.

التحالف الذي أعلن عنه في الرياض يتبنى تعريف الرئيس الأمريكي للإرهاب وهو تعريف ضل طريقه بتجاهل مصدر أساسي للإرهاب في إقليمنا ألا وهو العدو الإسرائيلي الذي يحتل أراضي عربية فلسطينية وسورية ولبنانية، ويحرم الشعب الفلسطيني من ممارسة أبسط حقوقه المشروعة في السلام وتقرير المصير والعيش الكريم. هذه الدولة التي تمارس الإرهاب لا تحظى فقط بتأييد الرئيس الأمريكي ومجاملاته التي لم يسبقه لها أي رئيس أمريكي بالطقوس التي أداها أمام حائط البراق، ولكنها مدعوة أيضا لمساندة هذا التحالف، والذى يسعى أطرافه للتطبيع معها. ولقد كشف الرئيس الأمريكي عن غفلة منه بوجود عملاء لإسرائيل في قمة قيادة داعش، وهو ما يفسر للعرب لماذا يقتصر هذا التنظيم على توجيه ضرباته للعرب والمسلمين والأبرياء من الأوروبيين ولا يضع إسرائيل على خريطة عملياته. هذه الدولة التي تمارس الإرهاب علنا وخفية رحبت بهذا التحالف الجديد. ألا يدعونا ذلك للتفكر أي مصلحة ينشدها هذا الكيان الجديد؟ ألا يسوقنا هذا التحالف إلى معركة خاطئة، ويبعدنا عن مواجهة عدونا الحقيقي. وبدلا من أن نبذل الجهود لرأب الصدع في الوطن العربي وبين المسلمين نغذى نار الصراعات في المنطقة اشتعالا، ونضيف إلى مكاسب إسرائيل في الصراعات العربية العربية صراعا آخر بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة.

***

لاشك أن الكثيرين في عواصم العالم المختلفة يتساءلون عن حقيقة الموقف المصري تجاه سوريا. لقد أعلن المسؤولون السعوديون أن أول خطوات التحالف الجديد هي محاربة التطرف في سوريا والعراق. والذي يدعو للسخرية هو أن بعض المنظمات المتطرفة التي تحارب نظام الأسد في سوريا تحظى بدعم خليجي؟ هل تنوي السعودية ودول الخليج الأخرى وقف دعم هذه المنظمات أم أن المقصود هو محاربة الحكومة السورية والتي أخفقت كل جهود دول الخليج وما يُسمى بالتحالف الدولي في وقف انتصاراتها على هذه المنظمات المتطرفة؟. هل تغير موقف الحكومة المصرية وأصبحت في نفس المعسكر الخليجي الذي يسعى للإطاحة بنظام الأسد؟ أو لم يكن ذلك هو موقف محمد مرسي عندما كان رئيسا للدولة في مصر، واعتبره كثيرون وقتها مغامرة ضارة بالأمن المصري.

وما هو أثر هذا التحول الجديد في سياستنا الخارجية على علاقتنا مع روسيا التي نسعى جاهدين لاستئناف تعاونها معنا في المجالات السياحية والعسكرية والعلمية. ألن يجد الرئيس الروسي في ذلك سببا جديدا للمماطلة في استئناف حركة السياحة، وتوقيع اتفاقية المحطة النووية في الضبعة.

الموقف المصري الثابت من الأحلاف العسكرية كان يحظى بإجماع شعبي لأنه يتفق مع المصالح المصرية والعربية، والانزلاق بعيدا عنه مغامرة ليست مأمونة العواقب.

المصدر، الشروق

  • طباعة
  • أرسل لصديق
    حول الكاتب

    مصطفى كامل السيد

    أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
    اضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    يُشرفنا التواصل معكم واشتراككم في خدمة نشرتنا البريدية

    ^