29 صفر 1439 الموافق 18 نوفمبر 2017
أحدث الأخبار
10 يوليو، 2017   عدد المشاهدات : 1٬158

تثبت تجربة الشهور الماضية منذ بدأت الحكومة المصرية تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وقعته مع صندوق النقد الدولي أن هذا البرنامج يلقى أعباء فادحة على كل المصريين، أصحاب العمل والعاملين، الطبقة المتوسطة والعمال والفلاحين، من يزاولون عملا ومن يعانون من البطالة، المنتجون الذين يتحملون ارتفاع نفقة الإنتاج والمستهلكون الذين يدفعون أثر هذا الارتفاع بما يُؤدي إليه من تصاعد نفقة المعيشة. ولما كان هؤلاء جميعا هم الذين يُمولون أنشطة الحكومة التي تقوم بتنفيذ هذا البرنامج من خلال ما تقتطعه الحكومة من دخلهم كضرائب، ولأن حصيلتها من الموارد الأخرى مثل قناة السويس أو صادرات نفطية هي من أصول عامة هم ملاكها، فإنه من المشروع تماما أن يتأكدوا أن هذه الإصلاحات تستند إلى تصور صحيح لأولويات الإنفاق العام، وأن السياسة الاقتصادية تقوم على افتراضات صحيحة وواقعية لما سيكون عليه مسار الاقتصاد بعد الأخذ بهذه الإصلاحات. هذا حقهم كذلك كمواطنين يفترض أن هذه الحكومة أو أي حكومة هي مجرد نائب عنهم في التصرف في المال العام على نحو يحقق مصالحهم المشتركة.

الواقع أن ما يُثير القلق أن هناك محظورات يخضع لها صانع السياسة الاقتصادية، كما أن هناك افتراضات يسلم بها ليس من شأنها أن تبعث الطمأنينة بأن هذه التضحيات سوف تثمر النتيجة المرجوة من استئناف نمو الاقتصاد المصري بمعدلات عالية، وأن بنيته التي تعتمد على أنشطة ريعية في الوقت الحاضر سوف تصبح أكثر توازنا بانطلاق القطاعات السلعية والخدمات الإنتاجية فيه، وأن ذلك سوف يعود على المواطنين باتساع فرص التشغيل وانخفاض نفقة المعيشة وانحسار الفقر والبطالة تبعا لذلك. والسبب في ذلك أن هذه المحظورات تحول دون تبني الأولويات الصحيحة للسياسة الاقتصادية، كما أن الافتراضات التي تقبلها كمسلمات هي افتراضات غير واقعية عفا عليها الزمن، ولم تعد مقبولة حتى في ظل القراءة الصحيحة للكتابات الاقتصادية النقدية. فما هي هذه المحظورات وما هي تلك الافتراضات غير الواقعية؟

***

هناك محظورات على صانع السياسة الاقتصادية. فدعونا نقبل أن صانع السياسة الاقتصادية في مصر هو حكومتنا التي يرأسها الدكتور شريف إسماعيل ويساعده فريق المجموعة الاقتصادية، وأنها تخضع لرقابة مجلس النواب الذي أقر الميزانية الجديدة قبل أيام. هل يتمتع هؤلاء بالحرية في تحديد أولويات الإنفاق العام؟ الإجابة بالنفي. لأن هناك أولا ميزانية القوات المسلحة التي تقدم لهم بحكم الدستور بندا واحدا في الميزانية لم تجر العادة على أنهم يناقشونه. بل وقد فقد وزير للاقتصاد منصبه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي لأنه تجرأ واقترح على الرئيس الأسبق حسني مبارك خفض الإنفاق العسكري. ولا شك لدى كاتب هذه السطور في ضرورة تمكين القوات المسلحة من الدفاع عن الوطن ولزومية توفير احتياجاتها، ولكن أصبحت ميزانية القوات المسلحة في مصر شأنا لا يجوز الاقتراب منه على خلاف ما تعرفه كل الدول ذات المؤسسات النيابية وحتى تلك التي تولي أهمية كبرى لأمنها الوطني، بما في ذلك ليس دولا مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ولكن حتى إسرائيل التي تخضع موازنة الدفاع فيها لمناقشات حادة داخل مجلس وزرائها، وحدث أن طالب وزير المالية فيها بخفض الإنفاق العسكري خضوعا لاعتبارات اقتصادية. نحن استثناء من ذلك كله، وهذا أحد المحظورات على صانع القرار الاقتصادي ويقبل الرأي العام فى مصر ذلك، أو على الأقل يندر أن يعترض أحد على ذلك من خلال أدوات الإعلام المتاحة.

ثاني المحظورات هو ما يُسمى بالمشروعات القومية الكبرى، والتي لم يتعرض أيها لنقاش جاد لا داخل مجلس الوزراء ولا داخل مجلس النواب. حسب علمي لم يناقش مجلس الوزراء مشروع توسيع قناة السويس بشق تفريعة جديدة لها، ولم يناقشا ما يُسمى بالعاصمة الإدارية الجديدة، ولا المقر الصيفي الذي تحدث عنه الرئيس السيسي في لقائه مع رؤساء تحرير الصحف الثلاث المسماة بالقومية، ولا الأسس الاقتصادية لمشروع استصلاح مليون ونصف المليون فدان، ولا خريطة شبكة الطرق الجديدة، ولا أثر تشييد الطريق الإقليمي الدائري على الأراضي الزراعية. لقد صرح الدكتور شريف إسماعيل عندما كُلِّف بتولي مهمة رئيس الحكومة بأن واجبه الأول هو تنفيذ برنامج الرئيس السيسي والذي تندرج فيه معظم هذه المشروعات، ولكن هذا البرنامج لم يُعلن تماما قبل الانتخابات الرئاسية في يونيو 2014 بدعوى أن المرشح السيسي ليس بحاجة لبرنامج، ولم يخضع لأي مناقشة بعد هذه الانتخابات، ومن ثم فالحكومة مطالبة فقط بتنفيذ برنامج لم تناقشه، ومع أنه من المشروع تماما أن تبحث الحكومة مدى أولوية هذه المشروعات، وما هي أعباؤها على الاقتصاد الوطني، وما هي أسسها الاقتصادية، بل وما مدى جدواها في الوقت الحاضر، إلا أن ذلك هو محظور بحكم الأمر الواقع.

***

هناك أيضا افتراضات غير واقعية حيث تقوم السياسة الاقتصادية على عدد من الأوهام أو ما يُمكن تسميته بقصور الرمال. قصر الرمال الأول هو التعويل بناء على الفكر الليبرالي الجديد الذي يستند إليه برنامج الإصلاح الاقتصادي أن تنفيذ البرنامج سوف يُطلق قوى السوق التي ستدفع الاقتصاد الوطني نحو النمو. طبعا كما لو أن قوى السوق هذه هي كائن ينتظر إجراءات الحكومة لكي يخرج من قمقمه نحو فضاء الرخاء لاحقا باقتصادات النمور الأسيوية، بينما سياسات الحكومة نفسها تلزمه بعدم الخروج من هذا القمقم إذا صح وجود مثل هذا الكائن. كيف ستنبعث قوى السوق هذه أمام ارتفاع تكلفة الإنتاج بحكم تصاعد نفقة المستلزمات مع السعر الجديد للدولار ومعدل الفائدة الجديد؟ وكيف ستنطلق قوى السوق مع انكماش السوق الداخلية بحكم انخفاض مستوى معيشة المواطنين؟ لا ترى الحكومة تناقض سياساتها مع آمالها الليبرالية المعلقة على انطلاق قوى السوق.

ثاني الأوهام الكبرى هو التعويل على تدفق الاستثمارات الأجنبية كحل يعوض عن الإضراب غير المعلن للقطاع الخاص المصري. يفوت الحكومة أن المستثمر الأجنبي يحكم على السوق المحلية بحسب كيفية تعامل الحكومة مع رأس المال المحلي، وأظن أن لدى المستثمرين المحليين الكثير من الشكوى من أسلوب تعامل الحكومة معهم. وثانيا أن العنصر الأساسي في اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية هو مستوى تعليم ومهارة القوى العاملة المحلية. ولاشك أن بلدنا للأسف الشديد يحتل ذيل القائمة بالنسبة لمستوى التعليم والتأهيل فيه، كما لا تدرك الحكومة أيضا أنه كما للاستثمار الأجنبي من مزايا في تعويض انخفاض مستوى الإدخار المحلي، إلا أن له أيضا آثاره السلبية في السيطرة على قطاعات أساسية في الاقتصاد الوطني مثل البنوك وشركات التأمين، بل والأخطر من ذلك في ميزان المدفوعات، فمثلما تتدفق الاستثمارات الأجنبية، تتدفق أيضا الأرباح والفوائد والرسوم والعوائد المستحقة لأصحاب رؤوس الأموال الأجنبية، ونحن ما زلنا نسوي مديوناتنا لشركات النفط الأجنبية التي عملت في مصر وجمدت أنشطتها لأننا لم نقدر على تحويل مستحقاتها عن السنوات الماضية. وأظن أن وزراء المجموعة الاقتصادية لدينا ولا أشك في كفاءتهم يعرفون جيدًا أن كبرى الدول المدينة في أواخر العقد الماضي كانت من أكثر الدول اعتمادًا على الاستثمارات الأجنبية وعلى قروض من البنوك الدولية. وهكذا يمكن للتعويل على الاستثمار الأجنبي أن يكون أيضًا مصدرًا مزمنًا لأزمة حادة في ميزان المدفوعات لا يوجد حل سهل لها سوى باللجوء مرة أخرى للمؤسسات المالية الدولية لطلب معونتها التي لن تأتِ إلا بمقابل مشروطية قاسية عرفت الأرجنتين سابقا واليونان حاليًا طعمها المر. وهنا لابد من التذكير بأن مديونيتنا الخارجية قد وصلت لحدود لم يعرفها اقتصاد مصر منذ حصلت على استقلالها في عشرينيات القرن الماضي. نحن مدينون بالفعل للعالم الخارجي وخصوصا للدول المتقدمة بنحو اثنين وسبعين مليار دولار. من أين سنأتي بما نسدد به هذه المديونية قبل أن تتصاعد مديونيات جديدة تولدها الاستثمارات الأجنبية التي تسعى حكومتنا لاجتذابها؟

الوهم الأخير في هذا السياق هو أن هناك لدينا الحل السحري وهو أن تتولى القوات المسلحة قيادة الاقتصاد، فتحل محل القطاعين العام والخاص، مثلما رأينا في ممارسات عديدة خلال السنوات الثلاث الماضية. ليس هذا بالحل الواقعي، فليست هذه مهمة القوات المسلحة ولا أولوياتها. الأخطار المحيطة بالوطن في الداخل والخارج تتطلب تفرغ القوات المسلحة لمهمتها الأساسية في الدفاع عن الوطن، ولا يمكن تعبئة موارد مصر إلا باستئناف القطاع الخاص لدوره في تحقيق التنمية المتوازنة للاقتصاد المصري، ولا بدون رفع كفاءة القطاع العام وقيامه بالدور الرائد في هذه التنمية.

ليس القصد من هذا الحديث تثبيط الهمم، ولكن دعوة حكومتنا السنية والقطاعات المستنيرة من الرأي العام لرفض هذه الأوهام والبحث عن منطلقات واقعية لوضع التنمية في مصر على أسس سليمة ومستدامة.

المصدر، الشروق

  • طباعة
  • أرسل لصديق
    حول الكاتب

    مصطفى كامل السيد

    أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
    اضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    يُشرفنا التواصل معكم واشتراككم في خدمة نشرتنا البريدية

    ^