29 محرم 1439 الموافق 19 أكتوبر 2017
أحدث الأخبار
26 يناير، 2017   عدد المشاهدات : 1٬533

حين هدرت الجموع في ميادين مصر، واندلعت ثورة يناير، كنت في الخارج في سفر مؤقت لعدّة أشهر. سافرت قبل الثورة بشهر واحد، و صاحبني مع تلك المغادرة المؤقتة، اختناق عميق من ركود الحياة، وانسداد الأفق في مصر. حين توالت المظاهرات في الأيام الثلاثة الأولى، وبدا أنّ موجة عالية تنذر بالاكتساح، لم أصدّق ما أشاهده، وحزنت أنّ الحدس قد خيّبني حين سافرت في سفر مؤقت، كان من الممكن أن يتأجّل. عوّضت هذه الخيبة بمتابعة ومشاركة كثيفة لتطورات الأحداث على “فيس بوك” وكنت في غاية الحماسة والدهشة في ذات الوقت.

لم تكن لي مشاركة سياسية قبل ذلك، ولم أكن أعِ ماذا يعني أن يسقط ضحايا وسط الجموع الغفيرة، ولم أكن أعِ ماذا يعني أن يصاب بعض المتظاهرين بإصابات تنتج إعاقات دائمة. حين حدثت جمعة الغضب، وسقط يومها المئات بين قتيل وجريح، أخذت خطوة إلى الوراء، حين كنت أجلس آمنة على كرسيٍّ خلف شاشة حاسوب. حينها قرّرت أني سأقف موقف المتابع لا المشارك، فقرار إكمال التظاهرت هو لمن في الميدان، ومن في مرمى القتل والإصابة بالفعل، وليس لمن هو على بعد وفي أمن. خشيت من مسؤولية الكلمة، وألاّ يعطيني الزمن فرصة لتحمّل تبعتها.

وحدثت المعجزة، وانتصرت يناير ، وحققت الجموع هدفها الذي احتشدت لأجله “ارحل” وقد رحل.

لسنا بحاجة لملاحظة أنّ الفعل السياسي لا يمكن إلاّ أن يكون جماعيًّا، ولو أراد شخص واحد فقط إسقاط رئيسٍ ما لما استطاع مهما بلغت قوته. ولكن، إذا كان الفعل لا يمكن أن يكون إلاّ جماعيًّا، فهل مسؤولية ما يترتب على هذه الفعل بكل تداعيته، جماعية كذلك؟

بعد النصر الأوحد، وهو إسقاط مبارك، الذي اجتمعت عليه كلمة الجموع، وربّما أجهزة الدولة كذلك، انزلقت الثورة لمزالق الهزيمة. (بعض الناس يحلو لهم ألاّ يعترفوا بهزيمة الثورة، وقد يكون لهم حقّ في ذلك) وتفرّقت الجموع، فلم يعد من الممكن أن يجتمعوا، ليس فقط في مكان واحد، بل لم يعد من الممكن أن يجتمعوا على هدف/رأي/قرار واحد.

الآن وبعد ست سنوات من الثورة، انتهت سيرورة الأحداث إلى موجة اعتقال وعنف وقمع عشوائية التوجيه في معظم الأحيان. فليس كل من شارك في اللحظة الأولى من سلسلة التغيير، تعرّض لأي قدر من الاضطهاد أو التضييق فيما بعد. وكثيرٌ ممّن هم في السجون الآن، لم يكونوا من الذين ساهموا في توجيه بوصلة الأحداث، على الأخص في أحداث 2013 الدامية. بل وكثير من المعتقلين الآن، هم ممّن كانوا في عمر المراهقة، بل والطفولة حين حدثت الثورة.

يلّح عليّ هذا السؤال كثيرًا: كيف يمكن أن يكون الفعل جماعيًّا، في حين يُترك أفرادٌ ليتحملوا مسؤولية عواقب الهزيمة، ويتجرعوا مرارتها وحدهم؟ ألم تكن “الهزيمة” إحدى احتمالات عواقب الفعل من البداية؟ بل إنّ الفعل الأوّل نفسه لم يكن ليحدث سوى بتضحيات أفراد اختيروا بدون تدبير من وسط الجموع. من يتذكّر الآن شهداء يناير في غير موسم يناير؟ بل من يتذكّر مصابي يناير والسنة التي تلتها والذين يعيشون بإصابتهم حتى هذه اللحظة؟ من يتذكّر مفقودي يناير الذين اختفوا ولم يعرف أهاليهم مصيرهم حتى الآن إن كانوا من الأحياء أم من الأموات؟

كثيرون ممّن شاركوا في الثورة في 2011 وكان حظّهم أن لم يتحمّلوا شيئًا من تبعات الهزيمة، استطاعوا أن يلملموا حاجاتهم ويرحلوا، سواء مكانيًّا بالفعل عبر السفر، أو ذهنيًّا بفقد الاهتمام بما يحدث الآن في هذه اللحظة. لا أزال أذكر كيف كانت صفحات كثير من أصدقائي على فيس بوك محتشدة بالتحريض على النزول والتظاهر، ومليئة بالكثير من الصور، والمنشورات الثورية، في مثل هذا الوقت منذ ستة أعوام، ثمّ أصبحت الآن في هذه اللحظة في 2017 مليئة بالصور الشخصية والعائلية، وصور النزهات والسفر.

في المقابل، فكثيرٌ ممّن أقابلهم في زيارتي لسجن طرة، هم أهالي لشباب معتقل عشوائيًّا لم يتجاوز عمره العشرين أو أقلّ، أي أنّهم كانوا في عمر الخامسة عشرة أو أقلّ حين اندلعت الثورة، وأغلبهم لم يشارك فيها.

لن أتساءل عن عدالة هذه الحالة وهذه المفارقة، بل ربّما سأتساءل ،على استحياء، عن أخلاقية أن يلوي المشارك في إحداث لحظة ما عنقه لجانب آخر، ليواصل طريقه في اتجاه الأمن والسلامة، في حين لا يشارك المضرورين من العواقب، ولو بالقليل من الاهتمام والمواساة.

قد لا يعجب كلامي بعض النّاس من حيث إنّي أتكلم عن ثورة يناير، ثمّ أربطها بما يحدث الآن من قمع واضطهاد دون التفات لما حدث بين هاتين اللحظتين من أحداث. في الحقيقة، ستظل يناير لحظة مجيدة عظيمة لا يمكن الاختلاف حولها، ولكن ما أحاول قوله، هو أنّه في لحظة حدوث أيّ فعل جماعي، فإنّ فرصه من النجاح والإخفاق تكاد تكون متساوية في بدايته، ثمّ تترجح إحدى الكفتين حسب كيفية التعامل المسؤول والواقعي مع الأحداث الجديدة التي تترتب عليه. وقد وضح الآن من مآلات الثورة أنّ الإخفاق والفشل هو الوضع القائم. فلَم لا يتحمّل المشاركون مسؤولية المآلين والمسارين؟

كما أسلفت، لم يحالفني الحظ بحضور لحظة يناير والمشاركة فيها، ولكنّي الآن أتحمل نصيبًا في مآلات الفشل، في حين أنّ كثيرًا ممّن أعرفهم، سواء في الواقع أو على فيس بوك، استطاعوا اختيار  الأمن و اللامبالاة أو السفر دون أن يتحملوا شيئًا ما من مآلات لحظة يناير التي شاركوا فيها.

كثيرون كذلك ممن شاركوا في يناير وما تلاها، لم يتخلوا الآن عن المعتقلين والمختفين والمنكّل بهم، وكثيرون قد يكونوا أمثالي ممن لم يشاركوا بفعالية في لحظة يناير لسبب أو لآخر وهم الآن فاعلون ومهتمون، وبعضهم من المتضررين كذلك. ولكنّ سؤالي هنا ينصب على الفئة الأولى التي شاركت ثمّ عادت إلى الخوف أو اللامبالاة، وكأنّ شيئًا لم يكن.

المصدر، مصر العربية
http://bit.ly/2jj4IGM

  • طباعة
  • أرسل لصديق
    حول الكاتب

    خديجة جعفر

    الباحثة والكاتبة الصحفية
    اضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    يُشرفنا التواصل معكم واشتراككم في خدمة نشرتنا البريدية

    ^