02 شعبان 1438 الموافق 28 أبريل 2017
أحدث الأخبار
28 مارس، 2017   عدد المشاهدات : 1٬121

تَضِلُّ السلطةُ حين تتصور أنها تُحَسِّنُ ميزانيتها حين تستجيب لأوامر الأوصياء الأجانب بتقليص الدعم المقدَّم للمواطنين، ذلك أن هذا الدعم هو دعم للسلطة ذاتها قبل أن يكون تخفيفًا عن مواطنيها، لا سيما الفقراء منهم، ليس على المستوى السياسي فحسب من جانب تحقيق الشعبية اللازمة لاستمرارا السلطة وبسط نفوذها، بل وأيضًا على المستوى الاقتصادي، بالنظر الضيق لمفهوم “المصلحة الاقتصادية” للسلطة، غير أن غرور القوة يُغرِي السلطة باختيار الحل الذي تراه أيسر في التطبيق، حيث تفرض سطوتها، وهي صاحبة القوة والسلاح، على المواطن الأعزل الفقير.

تتصور السلطة، أو يُصوِّرُ لها الأوصياء، أنها تُنفق الكثير من المال على مواطنين كسالى غير منتجين، إنها بهذه الطريقة تساعدهم على الاستمرار في الكسل وقلة الإنتاج، ولذلك فإن تقليص الدعم المقدَّم لهم يحفزهم على الجدِّ والعمل، لا تدرك السلطة في هذا السياق أن العملَ ثقافةٌ تتضمَّن وضوحَ الرؤية ووضعَ آلياتٍ وتوفيرَ بيئةٍ مناسبةٍ للعمل، وأيضًا محاسبة على النتائج، وهذه الثقافة لا تتوفر للمجتمع من تلقاء نفسها برغبة قائد أو طموح زعيم، بل تبدأ بالثقة المتبادلة بين السلطة والمواطنين، ثم بتغيير أنماط التعليم والتربية، وتوفير البيئة المناسبة للعمل.

في مناخ الاستبداد يغيب عن السلطة أنها أكثر أطراف المجتمع كسلا وخمولا؛ فلا تتواصل مع مجتمعها بشكل كاف عبر مسؤوليها في المواقع التنفيذية والسياسية المختلفة؛ إذ ليس لها ظهير شعبي تَعْتَنِي بالتواصل معه ضمانًا لأصواته في انتخابات قادمة، وبالتالي لا تهتم بتنشئة وتدريب كوادر سياسية تُبيِّن للمواطنين حقيقةَ الأوضاع ومسوِّغَ قراراتها وتطلب دعمهم، وتكتفي بأحاديث الزعيم الذي يرى في نفسه الإلهام والإحاطة والإدراك بحقيقة المصلحة العليا للوطن، الذي لا ينبغي أن يُفصِحَ عن كل ما يعرف وما يريد، خوفًا من «أهل الشر»، بالإضافة لبعض أحاديث إعلامية لأشخاص غريبي الشكل والطباع، يسوقون أفكارًا بالية، يطالبون المجتمع بالجوع وكتم التأوُّه من الألم!

يغيب عن السلطة المستبدة أن «الدعم» الذي تقدمه للمواطنين ليس مِنَّةً منها على الشعب، بل وسيلة لعدم تفاقم مسؤوليتها عن حل أزمات تترتب على تقليص الدعم، فتقديم الدعم مثلا للمجال الصحي يستهدف عدم انتشار الأمراض والأوبئة بسبب عجز المرضى عن علاج أمراضهم ومداواة جراحهم، وحينها سيلزم السلطة أن تتدخَّل من أجل إنقاذ المجتمع من هذه الأوبئة التي لن تُفرِّق بين من في السلطة ومن تحكمهم، وتوفير الدعم في المجال التعليم يستهدف تنشئة أجيال قادرة على القراءة والكتابة والتعامل مع الأدوات الحديثة في مختلف مجالات العمل، وأحيانًا لإحكام سيطرة السلطة على العقول، وبدون هذا الدعم ستُرْزَأُ السلطة بأجيال لا تقدر هي على التعامل معهم بسبب ما لديهم من جهل وانعدام وعي وإدراك بما يُحيط بهم.

ودعم الماء والكهرباء مهم للدولة بالقطع نظرًا لكونها احتياجات أساسية للبشر، وعدم تدخل الدولة وتوفيرها هذه الاحتياجات سيدفع المواطنين للحصول عليها بطرق غير رسمية حتمًا، وسيكون حصولهم عليها بطرق عشوائية مضرًّا بمصلحة السلطة في تنظيم شؤون هذه المرافق، فضلا عما ينتج عن هذه التصرفات من آثار سلبية على الصحة العامة ومخاطر الاستخدام وأيضًا على تحصيل منافع هذه المرافق والاستفادة منها بطريقة مناسبة، وغير ذلك من آثار.

فهنا تصبح فكرة بيع السلطة للمياه والكهرباء بسعر التكلفة غير منطقية؛ لأنه في حالة عجز المواطنين عن سداد هذه القيمة سيسعون للحصول عليها بطرق غير قانونية مهما كلفهم هذا السعي من عواقب نظرًا لضرورتها في حياتهم، وعلى السلطة حينئذ أن تُعالج هذه الآثار السلبية مهما بلغت تكلفتها.

وفي مجال أثير مؤخرًا يتعلق برفع سعر تذكرة مترو الأنفاق بمصر بنسبة 100٪، وهو أمر يندرج ضمن منظومة دعم النقل العام، سلكت السلطة في مصر أغبى مسلك يمكن أن تسلكه لتبرير هذه الزيادة، عبر الادِّعاء بخسارة شركة تشغيل المترو وتراكم الديون عليها، وهي ادِّعاءات مرسلة تحتاج إلى شفافية ووضوح في محاسبة الشركة وقياداتها على عملهم خلال السنوات الماضية عن سبب التدهور في ميزانيتها، وما آلت إليه جهود قياداتها في تحسين دخلها بعيدًا عن رفع سعر التذكرة.

وهنا يجب أن نسأل السلطة لماذا تنظر لهذا الموضوع بمنطق الربح والخسارة بالمنظور الضيق له، أقصد المعتمد على العلاقة بين شركة المترو والراكب فقط، إن الأمر أكبر من هذه العلاقة المحدودة، وأكثر تعقيدًا، ويتعلق بعناصر مختلفة، إذ يذكر الجميع أن سبب إنشاء المترو يعود للزحام الشديد في شوارع القاهرة، وبالتالي فإن فكرة إنشاء المترو أصلا كانت بسبب تخفيف العبء عن الشوارع.

هذا أمر له انعكاسات إيجابية على عدد من العناصر الأخرى كتوفير سيولة مرورية تسمح بإنجاز الأعمال في زمن مناسب، ووصول الموظفين والطلاب إلى أعمالهم وجامعاتهم في أوقات مناسبة، والتأخر في إنجاز العمال وعدم الوصول في المواعيد المناسبة أمر يؤدي إلى قلة الإنتاج، واستغراق العاملين في بذل جهد أكبر لإنجاز أعمالهم مع قلة النوم والإجهاد.

ولهذا الأمر تبعات خطيرة على الأوضاع الصحية لهم بعد عدد محدود من السنوات، ترى السلطة بعدها أن كثيرًا منهم قد أودِعوا إلى وظائف مخففة وصاروا عبئًا عليها تلتزم بتقديم رواتب لهم دون عمل مناسب لرواتبهم، فضلا عن تقديم خدمات صحية تكلف الدولة أعباءً إضافية، وكل هذه التبعات لها عواقب اقتصادية على الاقتصاد القومي يمكن تقديرها من خلال وسائل رياضية وإحصائية، وأخشى ما يخشاه المرء أن تكون السلطة قد اعتبرت فشلها في تخفيف الزحام بالرغم من وجود المترو سببًا يدعوها إلى عدم النظر للاعتبارات السابقة!

وفي الظروف الطبيعية فإن هناك جهات رقابية كان يجب أن تُسائل السلطة عن طريقة إدارة هذه الشركة في العديد من الأمور وتعلن نتائج تحقيقاتها للرأي العام، فما مدى كفاءة استخدام القطارات ولماذا يتم استيرادها في كل مرة دون قدرة على التصنيع ولماذا يتم تكليف شركات أجنبية بأعمال الحفر والإنشاء منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وكم تبلغ مثلا عوائد الإعلانات المنتشرة في كل المحطات، ولماذا لا يتم تسويقها بشكل جيد حتى لا تظل أماكنها فارغة كما نرى، وما عوائد تأجير الكثير من المساحات للشركات والمشروعات المختلفة، وهي إيجارات مرتفعة، وما مدى الاحتياج للعديد من القيادات والمستشارين في هذه الشركة الذين يتقاضون مبالغ كبيرة تؤثر على ميزانية الشركة بالسلب دون تقديم ما يوازي أجورهم من أعمال، وما قيمة ما يتم تحصيله من اشتراكات وتذاكر بالملايين يوميًّا، وأسئلة أخرى كثيرة تجب مناقشتها قبل أن نصدِّق ادِّعاءات الشركة بخصوص خسائرها الفادحة.

لا أفهم لماذا اكتشفنا فجأة أن شركة المترو كيان منفصل عن أجهزة الدولة لا يتحمل ما تتحمله من أعباء، ومطالب بأن يحقق أرباحًا أو يغطي تكاليف تشغيله بعيدًا عن ميزانية الدولة التي أنشأته وتقوم بتشغيله، فتتعلَّل الشركة بارتفاع أسعار المياه والكهرباء وانخفاض سعر العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية لتبرير رفع سعر التذكرة، وفي الحقيقة هذا أمر مفهوم من شركة خاصة تعتذر لعملائها عن ارتفاع سعر منتجاتها لأسباب لا دخل لها فيها.

ولكن هذه شركة حكومية تديرُها السلطة، وتحصِّلُ أموالَها السلطة، وتعوِّض خسائرَها السلطة التي تتفنن في جباية الضرائب والرسوم من المواطنين الفقراء، وهي التي تسبَّبت في وقوع هذه الخسائر بسبب رفع أسعار المياه والكهرباء، وانهيار قيمة العملة المحلية بسبب سوء إدارتها واستفحال جهلها بكيفية التعامل مع التحديات الاقتصادية التي تواجهها، وعدم محاسبة أي من مسؤوليها عن ممارساتهم السياسية والاقتصادية التي تسببت في تطفيش الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وإغلاق المصانع والشركات، وإفساد العلاقات التنافسية داخل السوق.

يُناسبُ تقليصُ الدعمِ مجتمعاتٍ لا تُقيِّدُ سلطتُها الحقَّ في التعبير عن الرأي والعمل وتولي المناصب والوظائف المختلفة، ولا يتشبَّث مسؤولوها بالحكم مدى الحياة، ويخضعون باستمرار للمحاسبة والمساءلة من الشعب وممثليه، وتُتاحُ أمام فقراء هذا المجتمع الفرص في تخطي واقعهم وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، ويتقاضى العاملون فيها رواتب تتناسب مع مستويات إنفاقهم، ومع ذلك يتوفر في هذه المجتمعات أنواع مختلفة من الدعم الحكومي وبرامج الضمان الاجتماعي.

أما المستبدون فلا ينبغي لهم أن يتخلوا عن الدعم أو يقلصوه، بل عليهم أن يزيدوا مقداره، طمعًا في صمت الشعب عن انتهاكاتهم وفسادهم، بمنطق المثل السائر “أطعم الفم تستحي العين”، لكن المستبد سيظل ينظر إلى السلطة باعتبارها أداة للتسلُّط وليس الخدمة، وينظر للمواطن كخصم يجب أن يظل في منظومة خدمته، ويُعامَلُ بطريقة تعاقدية جامدة بحيث عليه أن يدفع مقابلا لأي شيء يحصل عليه من جانب السلطة بتكلفته وزيادة، وليس كصاحب حق وسيادة على صاحب السلطة.

وينظر المستبد للوطن كمَتْجَرٍ يُدِرُّ الأرباح على صاحبه؛ ولذا لا تجده يأخذ بهذا الرأي الذي يحافظ على بقائه فوق مقاعد السلطة باستقرار وحدٍّ معقول من الرضا أو التغاضي الشعبي، لأنه ببساطة لو فعل لما صار مستبدًّا! وسيظل المستبدُّ سادرًا في غَيِّه حتى تتفاقم أزمات أفعاله وينهار حكمه، هذه دورة حياة المستبد لا محيص له عنها مهما اطلع على تجارب سابقيه! ومهما رأى من عواقب أفعاله الخطيرة!

المصدر، نون بوست
http://bit.ly/2ncYnOY

  • طباعة
  • أرسل لصديق
    حول الكاتب

    أحمد خلف

    باحث والأمين العام المساعد لحزب الوسط دورة (2016-2020)
    اضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    يُشرفنا التواصل معكم واشتراككم في خدمة نشرتنا البريدية

    ^