30 ذو القعدة 1438 الموافق 22 أغسطس 2017
أحدث الأخبار
24 يوليو، 2017   عدد المشاهدات : 100

حازت الطالبة مريم المتفوقة بالثانوية العامة رغم ظروفها الأسرية الصعبة على تعاطف مجتمعي، خاصة مع ثقتها بنفسها وتفائلها واقتراب ظروفها المعيشية من حالة ملايين المصريين، إلا أن هناك آخرين تفوقوا سواء بالثانوية العامة أو بالشهادات الفنية أو بالجامعات والمعاهد، رغم ظروفهم المعيشية الأكثر صعوبة من معيشة مريم، لكن لم يشعر بهم أحد.

قد يكون ذلك لأن بعضهم يقيمون خارج العاصمة وإعلامنا قاهري بامتياز، فهناك الآلاف من أبناء الفقراء في النجوع والكفور المتفوقين رغم معيشتهم القاسية، بل ورغم ممارسة بعضهم للعمل خلال الدراسة لجلب مصاريف التعليم أو مساعدة الأسرة أو تولي مسؤوليتها.

وقد يكون الإهمال لموقف سياسي من بعضهم، حيث حصل البعض على درجات عالية رغم اعتقالهم منذ فترة، وبدلا من تشجيعهم والنظر في حالتهم بعين الرأفة، فإن النظام الحالي وبالتالي الإعلام التابع له، لن يقترب منهم، ولعل تفوق ابنة أحد المعتقلين بالعام الماضي أحد الشواهد.

ويرى آخرون أن مسألة التفوق التعليمي تلك تصيب البعض بالغيظ، وتذكرهم بالدرجات الدنيا التي حصلوا عليها، ويشيرون إلى الاحتفاء الإعلامي بحفلات تخرج ضباط الشرطة والجيش، بينما لم يتواجدوا بحفلات خريجي كليات العلوم والهندسة، رغم أن تقرير التنمية البشرية الدولي يشير إلى المقارنة بين الدول علميا حسب عدد خريجي العلوم والرياضيات من إجمالي الخريجين. ولعل تجريح بعض الإعلاميين التابعين للنظام الحاكم في خريجي الطب والهندسة لكون معظم المعتقلين من المعارضين للنظام من خريجي الهندسة والطب شاهد آخر.

المتفوق غير مرغوب فيه

وهنا يثور السؤال.. هل يحب النظام الحاكم المتفوقين؟ والجواب غير مؤكد، فالمتفوق إنسان خلاّق مبتكر، يناقش ويحاور ولابد لديه من الاقتناع قبل الإقبال على أمر، بينما الممارسات الحالية ومنذ أربع سنوات تشير إلى أن المطلوب مواطنين طائعين منفذين للتعليمات والرؤية الرسمية مثلما حدث بقضية تيران وصنافير. وهو ما يتوافق مع الخلط بين إدارة بلد وإدارة معسكر، فالتركيبة العسكرية التي تسير وفق قاعدة “نفذ الأمر ولو غلط”، “نفذ وبعدين ابقى اتظلم”، لا تقبل النقاش وتكرر هذا خارج المعسكرات، رغم الاختلاف الكبير بين الأمرين، وطبعا لن يجد المواطن حاليا من يتظلم إليه سواء كمسؤول أو إعلام أو قضاء أو برلمان، ليصبح أمامه فقط أن ينفذ الأوامر ويخضع لها أو يتحمل تبعات موقفه.

والتفوق والإبداع يحتاج للحرية، ولكن هذه أصبحت سلعة نادرة، وممارستها تذهب بهم إلى المهالك، ويكفى أن نشير إلى إحصائية لموقع ويكي ثورة والذي يشير إلى أنه خلال تسعة شهور ونصف ما بعد يوليو 2013 وحتى منتصف أبريل 2014، تم قتل 299 طالبا منهم 19 قتيلا داخل الحرم الجامعي، وتوزع القتلى ما بين 289 طالبا وعشر طالبات، أما المقبوض عليهم والملاحقين قضائيا فبلغ عددهم 3657 طالبا خلال نفس الفترة.

وفي أجواء غياب الحريات تدخل مريم وزملاءها الجامعة، وعليهم الحرص المتواصل ممن حولهم، لأن أية وشاية تصيب صاحبها بالضرر الشديد حتى يثبت سلامة موقفه، وتزداد معدلات الإحباط وانخفاض الدافع لمواصلة التفوق.

الإحباط يقتل التفوق

عندما يسمع طالب الهندسة أو طالب الطب أن العميد الأسبق للكلية مازال معتقلا منذ سنوات لمجرد معارضته للنظام، فتلك رسالة سلبية لها أثرها على سلوكياته، ومن يلتحق بكليات ومعاهد التجارة والاقتصاد ويطلع على الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والتي تحتاج لسنوات طويلة للتغلب عليها بينما النظام يتوسع بالاقتراض وبالمشروعات التي ليس لها أولوية، بما يشبه حالة تشبه القربة المثقوبة التي مهما وضعت بها الماء فلن تمتلىء.

كذلك عندما يسمعون عن أسعار المدفوعات غير الشرعية السائدة لتوفير فرصة عمل ببنك أو شركة بترول أو حتى وظيفة حكومية، بل والأسعار المرتفعة المطلوبة من السماسرة لتوفير مكان على مراكب الموت للهجرة خارج البلاد.

وعلى الجانب الآخر تتسبب الظروف الاقتصادية الصعبة في عدم استطاعة كثير من أولياء الأمور الإنفاق على أبنائهم، فيضطر بعضهم للتسرب من التعليم، أو يندفع البعض لمسارات منحرفة لتدبير نفقات الدراسة، فلم يعد الأمر يتعلق بالمصروفات الدراسية فقط، ولكن تكلفة المواصلات والساندوتشات أصبحت مشكلة والتي تزيد للمغتربين بإضافة السكن، بخلاف الكتب والملازم والملابس للظهور بمظهر لائق وسط الكرنفال الجامعي.

ومن هنا ظهرت بعض التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تشير إلى أن التفوق سيكون مشكلة بالنسبة لهم، وأن من نجحوا بالكاد سيكون حظهم أوفر لأنهم سيضمون لجهات تستحوذ على النفوذ والمزايا والدخل المرتفع واشتراكات النوادي والسلع المخفضة والمعاشات العالية.

المصدر، مصر العربية

  • طباعة
  • أرسل لصديق
    حول الكاتب

    ممدوح الولي

    كاتب صحفي، ونقيب الصحفيين الأسبق، ومتخصص بالشأن الاقتصادي
    اضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    يُشرفنا التواصل معكم واشتراككم في خدمة نشرتنا البريدية

    ^