29 صفر 1439 الموافق 18 نوفمبر 2017
أحدث الأخبار
12 يوليو، 2017   عدد المشاهدات : 1٬145

أثناء حرب البوسنة 1992-1995، أعلنت مدينة سريبرينيتسا منطقة آمنة في 1993، لحفظ حياة المدنيين. فتدفق البوسنويون غير المقاتلين إلى سريبرينيتسا من كل مكان داخل البوسنة حتى وصل عددهم فيها إلى حوالي 40 ألف نازح ما بين رجال ونساء وأطفال. وفي يوليو 1995، نقض جيش صرب البوسنة هذا العهد، وتواطأت معه بعثة الأمم المتحدة الهولندية، فغضت الطرف عن مخططه. استطاع الكثيرون الفرار من “المنطقة الآمنة” بينما لم يستطع 8372 رجل النجاة بحياتهم، ووقعوا ضحية القتل الجماعي المتعمد.

عقب عدة سنوات، أثمرت جهود العدالة الانتقالية عن تأسيس المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، وتأسيس اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، وتأسيس المركز التذكاري لضحايا سريبرينيتسا، وتحديد يوم 11 يوليو من كل عام لتذكّر الضحايا.  كما أسفرت هذه الجهود عن الاعتراف الدولي بجريمة الحرب في سريبرينيتسا باعتبارها حالة “جينوسيد” وهي الحالة المحرمة والمعاقب عليها في القانون الدولي منذ أن أقرها المحامي البولندي “رافاييل ليمكن” عام 1945. ترتبت استحقاقات قانونية على الاعتراف الدولي بجريمة الجينوسيد، حيث حوكم قادة الحرب في البوسنة ومقترفو الجرائم أمام محكمة لاهاي الدولية في خطوة لتحقيق العدالة.

تتشابه مجرزة سريبرينيتسا يوليو 1995 مع كثير من المجازر التي ارتكبت بحق الأبرياء المدنيين في سوريا منذ اندلاع ثورتها. وعلى الرغم من مسار الحرب المختلف في جمهورية البوسنة عنه في سوريا، إلّا أنه يمكن الاستفادة من تجربة البوسنة في تصوّر ماذا يمكن أن تعني العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد الحرب وكيف يمكن أن يتحقّق جزءٌ منها.

تشمل الدروس المستفادة من حرب البوسنة في حالة سوريا عدة دروس، أولها فيما يتعلق بالنواحي القانونية؛ أي كيف يمكن إثبات جرائم الحرب في سوريا بنص القانون الدولي؛  ثانيها، فيما يتعلق بالنواحي التقنية، أي كيف يمكن حصر  أعداد الضحايا والتعرف على المفقودين لإثبات حالتهم واستحقاقات ذويهم كما في تجربة اللجنة الدولية لشؤون المفقودين؛ ثالثها، كيف يمكن السعي للتصالح أو التعايش بين الإثنيات المختلفة في فترة ما بعد الحرب: السنّة، العلويين، الشيعة، الأكراد.

وقد لا يطمح السوريون فيما بعد الحرب لأكثر من التعايش، فويلات الحرب ستظلّ تؤرّق الذاكرة. وهذا أمر شبيه بما حدث في البوسنة بعد الحرب. حين زرت سريبرينتسا في صيف 2013 وتحديدًا قرية بوتوتشاري الصغيرة التي وقعت فيها المجزرة، كنت أستطيع تمييز بيوت الصرب من بيوت المسلمين بمجرّد المرور عليها. فالصرب لا ينظرون إليّ البتة فيمكنهم تمييزي من خلال غطاء الرأس. وأذكر الصبية الصغار الذين ركضوا خلفي متفوّهين بكلمات لم أفهمها، بدا لي أنّها كلمات مؤذية. يقول أحد الناجين من المجزرة إنّ كثيرًا من المدنيين الصرب كانوا منخرطين في عمليات القتل. ومع ذلك، فهو لا يشعر بأي رغبة في الانتقام، ولكن لا يمكن التصالح معهم، يكفي التعايش.

ما نجحت فيه “اللجنة الدولية لشؤون المفقودين” في مقرّها في البوسنة في مدينة توزلا هو الحصر التام لجميع ضحايا مجزرة سريبرينتسا، والبالغ عددهم بدقة 8372 رجل وفتى. وإلى الآن، تستمرّ اللجنة في البحث والتنقيب عن الجثامين المفقودة وفي أخذ العينات الحمض النووي من أقارب الضحايا وحفظها في قواعد بيانات، ثمّ التعرف على الضحايا بأسمائهم، وتكريمهم بإعادة دفن رُفاتِهم.

دروس مستفادة من سريبرينيتسا إلى سوريا

توثيق ضحايا آلات القتل الأسدية والروسية بالأسماء والأشخاص أمر في منتهى الأهمية لمستقبل سوريا وحفظ لحق هؤلاء الضحايا في التذكّر والتكريم، واستعداد لملاحقة قانونية قد تهيء لها ظروف سياسية في المستقبل الذي لا يعلمه إلاّ الله.

حين تصل الدول الكبرى المتحكمة في المشهد وأولها روسيا وأمريكا إلى قرار وقف إطلاق النّار، فستكون هذه هي نهاية القصّة لهم، ولكنّها لن تعني ذلك للسوريّين. ستظلّ آلام المجازر تلاحقهم، ولكن يجب أن لا نفقد الأمل في المحاسبة والملاحقة يومًا ما، وإلى أن يحدث ذلك، علينا التعلّم من سريبرينيتسا.

المصدر، مصر العربية

  • طباعة
  • أرسل لصديق
    حول الكاتب

    خديجة جعفر

    الباحثة والكاتبة الصحفية
    اضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    يُشرفنا التواصل معكم واشتراككم في خدمة نشرتنا البريدية

    ^